24 ساعةالواجهةحقوق الإنسان

اليوسفية : صخب المهرجانات وعطش المداشر: رئيس الجماعة يتنفس بهرجة.. والمواطن يتنفس سراباً

​أهلاً بالمهرجان! وليجعل الله أيام جماعتنا القروية كلها بهرجة وطبولاً، ولتصدح مكبرات الصوت بأعذب الألحان لتغطي على صوت طقطقة البطون الخاوية وأنين الحناجر العطشى في الدواوير المنسية. أهلاً بسعادة رئيس المجلس الجماعي المحترم، وأهلاً بالصحب الكرام من أعضاء ومبرمجي السهرات الجماعية ومحترفي هندسة “الفرح الإجباري”؛ فليسقط، بل ولتحرق الشمس، كل من تجرأ ونادى من أبناء القرى بأبسط المتطلبات أو تجشأ بكلمة “مياه” أو “مسلك طرقي”!

​هذا هو المشهد الإمبراطوري في عيون رئيس الجماعة وحاشيته وقت الفرح: منصات مزركشة تُقام على أراضٍ قاحلة، أضواء باهرة ترقص على أنقاض الواقع القروي، وأموال طائلة من ميزانية الجماعة تُنثر بلا حساب لتخليد لحظات “النشوة المزيفة”. أما في كوكب المواطن القروي، حيث دار الزمن دورته، فقد تكاثرت الأهات وتشعبت الشكاوي، وتحولت جدران البيوت الطينية إلى صالات عرض لأحزان صامتة لا يقطعها سوى صوت انقطاع التيار الكهربائي أو جفاف السقايات.

​رفقاً بمزاج سعادة رئيس الجماعة القروية، أرجوكم! فالرجل ليس في قمة راحته لاستقبال شكاويكم البليدة وطلباتكم المزعجة عن أزقة وحلية وسقايات فارغة. لقد ألقى الرجل كلمته الفصل في آخر دورة للمجلس، ووضع النقاط على حروف الانتظار: اعدموا كل أمل، واطووا صفحة المطالب، ومدوا أعناقكم نحو أفق الخمس سنوات القادمة.. فقد أعلنها صراحة وبصوت يعمه الهدوء الجماعي: “إني معكم من المنتظرين”.

​إذن، تعالوا لننسى الأحزان الجماعية، ولنصفق لبهاريج المهرجانات الموسمية. أما أنتم، يا سكان الدواوير والمداشر المهمشة، فمن أنتم لتطالبوا بمياه الشرب؟ العقل الإداري الفذ لرئيس جماعاتنا يرى أن شرب الماء ترفٌ زائل؛ لذا، ندعوكم للجلوس على عتبات دوركم بانتظار رحمة السماء، عسى أن تسقط مياه الأمطار وتحمل الوديان ما يسد رمق عطشكم، أو فابحثوا عن غيمة صالحة للشرب تحط فوق دواويركم!

​وما بالكم بالكهرباء التي تقطع عن الدوار ليل نهار؟ إنها فرصة تاريخية من الجماعة للعودة إلى الأصالة والرومانسية البدائية. دعوا شبكات التوزيع المتهالكة وشأنها، وانتظروا غضبة الشتاء القادم؛ فالرعد والبرق كفيلان بإضاءة لياليكم المظلمة بنورهما الساطع المؤقت، وبالمجان تماماً دون تكبيد ميزانية الجماعة أي عناء! أما المسالك الترابية والحفر التي تحولت إلى بحيرات مائية مع أول قطرة مطر, فليست سوى مسارات طبيعية لـ “رياضة القفز الجماعي” التي تنشط الدورة الدموية للشعب المعجزة.

​اتركوا رئيس الجماعة وشأنه، فإن مزاجه الراقي أصبح أرق من أن يتحمل واقعكم القروي البائس، وأثقل من أن تلوثه شكاوى عن مستوصف مغلق بلا دواء، أو مدرسة نائية بلا أسقف، أو مسالك بلا أزفت. المهرجانات القروية أولاً، والبهرجة ثانياً، والتطبيل ثالثاً.. وما عدا ذلك، فلتذهب الدواوير العطشى إلى جحيم النسيان.

​فهنيئاً لنا بجماعة تُنفق ميزانياتها المحدودة على صخب الليالي، ويُترك أصلها وسكانها ليحترقوا بصمت على إيقاع الطبول الفارغة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى