«باك صاحبي» والملايين في قطاع التعمير بالجديدة: عندما تعصف المحسوبية والمال بمصداقية القانون وأمانة المهندس المعماري

في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في أروقة الإدارة الإقليمية، تحولت ظاهرة “باك صاحبي” وتدخلات رأس المال والمحسوبية في مدينة الجديدة إلى جدار صلب يصطدم به مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص يومياً. لم تعد الظاهرة مجرد انطباع عام، بل تجسدت في ممارسات ملموسة داخل بعض اللجان المكلفة ببت دراسات رخص البناء والتعمير، حيث أصبحت شبكات العلاقات وشراء الذمم تلعب دوراً حاسماً في توجيه القرارات وتجاوز المساطير التنظيمية.
ويتجلى هذا الارتباك الصارخ عندما تُمنح ملفات معينة رأياً بالموافقة الاستثنائية (avis favorable) بفضل الشفاعات النافذة أو التدفقات المالية تحت الطاولة، رغم مخالفتها الصريحة للمقتضيات الجارية، في الوقت الذي يُفرض فيه التطبيق الحرفي والمشدد للقانون على ملفات أخرى متطابقة تماماً. هذا التمايز الفاقع القائم على الزبونية والمال بات يثير إحراجاً كبيراً، حيث يجد القائمون على القرارات أنفسهم عاجزين عن تقديم مبررات تقنية أو قانونية منصفة، مما يضع مصداقية لجان الترخيص بالمدينة في موضع شبهة دائم.
أمام هذا الواقع، يتجرع المهندس المعماري النزيه الجرعة الأكبر من المعاناة؛ إذ يجد نفسه محاصراً بين أمانته المهنية والالتزام بالنصوص، وبين ضغوط الزبناء. فعندما يرفض مهندس تقديم مشروع مخالف احتراماً للقانون، ليفاجأ بأن مهندساً آخر استصدر الرخصة لنفس الحالة عبر العلاقات أو المقابل المالي، يُوضع الأول فوراً في موقف حرج ويُتهم بالإهمال أو العجز عن تيسير مصالح موكليه.
إن طغيان منطق المحسوبية وسلطة المال خلق بيئة تنافسية غير شريفة، أطاحت بمعايير الكفاءة والجودة المعمارية لصالح القدرة على “تجاوز القانون” واختراق المساطير الإدارية. هذا الوضع المتأزم لا يقتصر ضره على إرهاق المهندسين الشرفاء وتهميشهم، بل يمتد لينهك الفضاء العمراني لمدينة الجديدة، مهدداً هيبة القانون ومجهزاً على ثقة المواطن في المؤسسات المكلفة بتدبير المرفق العام.





