الواجهةمجرد رأي

عندما تتحول المقاطعة إلى خدمة للنظام

بقلم: امحمد الهلالي 

يؤسس شق من المقاطعين للانتخابات حججهم على عدة مبررات، منها أن الشروط القائمة تفتقر إلى الحد الأدنى الذي يؤمن نزاهة ومصداقية الانتخابات، وتمكن من فرز مؤسسات قوية ذات مصداقية وقادرة على ترجمة الإرادة الشعبية في اختيار المسؤولين ووضع الاختيارات وتنزيلها بغرض إحداث التغيير المنشود.
ولهذا السبب يعتبر المقاطعون كل مشاركة في هذا السياق بمثابة تزكية لهذه الشروط، وإضفاء للمشروعية والمصداقية على النظام وعلى مؤسساته الصورية.
وقد بلغ بهم الأمر إلى حد اعتبار المشاركين شهود زور، والادعاء بأن عملهم داخل المؤسسات يرقى إلى مستوى خدمة للسلطوية، وشرعنة للفساد، وإطالة عمر الاستبداد، وتفويت الفرصة على التغيير الحقيقي.
هذه الأحكام يمكن أن يكون لها بعض الوجاهة بالنسبة إلى جهة سياسية تعتبر النظام غير شرعي، وتطرح مشروعاً بديلاً وفق رؤية متكاملة، مدققة المراحل، محكمة الأجندات، مع إمكانات فعلية وقدرات حقيقية على الإنجاز، لتخليص الشعب من نظام تصفه بكل هذه النعوت بكلفة أقل من كلفة تحمله.
أما عندما نصف النظام بأوصاف كبيرة، ونمارس ممارسات غير متساوقة مع التوصيفات المتبناة وتصل إلى حد التناقض بين المعلن والممارس، والتعارض بين الشعارات والمسلكيات، فهذا يسائلنا: إما من جهة مدى صحة التشخيصات وفعلية الأوصاف التي نصف بها هذا النظام، وإما من جهة تكافؤ الممارسات التي نقوم بها في حياتنا السياسية اليومية والتكتيكية مع التصورات والرؤى التي نحملها في التشخيص والاستشراف معاً.
فعدم الاعتراف بالنظام وبثوابته، وعدم التسليم بشرعيته، وتجريد مؤسساته من أي مصداقية قليلة أو كثيرة، والتشكيك في جدوى عمل باقي الأطراف داخل هذه المؤسسات، وتبخيس جهودهم، والتقليل من نتائجهم، والتنصل من أي مسؤولية إزاء الأوضاع وبقائها على حالها، كل ذلك يتناقض مع سؤال العمل المطروح من جهة، ويضع بعض الممارسات المشتبكة مع التحليلات الفرعية موضع المساءلة.
وفي السياق ذاته، فمحاولة تكييف العمل في المجتمع على أنه نوع من المشاركة السياسية التي لا يمكن اختزالها في المشاركة الانتخابية، تأسيساً للأحزاب، وانخراطاً في التصويت والترشيح، فإنها تضعنا أمام أحد الاحتمالين:
1- الاحتمال الأول: هو أن توسيع المشاركة السياسية لتشمل باقي أعمال الضغط والاحتجاج السياسيين، وأعمال التربية والدعوة والعمل الاجتماعي والمدني، هو تصادم مع القول الأول الذي يعلق عدم المشاركة على غياب الشروط الدستورية والقانونية داخل المؤسسات، بينما تظل نفس هذه الشروط موجودة للقيام بأعمال أخرى يعتقد أنها خارج المؤسسات، بيد أنها تظل محكومة بتأطير مؤسسات أخرى ووفقاً للشروط القانونية والإجرائية والمسطرية ذاتها، من قبيل التصريحات والتراخيص والالتزام بأوامر وسلوكات سلطة تنفيذ القوانين في التنظيم والتأطير المناسب لهذه الفعاليات، وكذا في منعها أو التغاضي عنها أيضاً.
2- والاحتمال الثاني: هو أن هذا النوع من المشاركة، إذا سلمنا به، إنما يسهم هو بدوره في إضفاء مشروعية ومصداقية من نوع آخر على هذا النظام، ويضفي نوعاً من المصداقية على مؤسساته، فنكون بصورة غير بعيدة عن حكم شهادة الزور، وإطالة عمر الاستبداد، وشرعنة للفساد، بل في إعادة إنتاج السلطوية بنفس جديد ولوك جديد.
وفي هذه الحالة لا يختلف هذا المنحى في المسؤولية عبر هذا النوع من المشاركة غير الانتخابية في تفويت الفرصة عن التغيير والقبول بالأوضاع القائمة.
أما الالتقاء الموضوعي بين النظام وهذا النوع من المقاطعة المؤسسة على هذه المفارقات، فتكمن في أن هؤلاء المقاطعين وهم ينسجون نصوص الهجاء في شرعية النظام وفي ثوابته وصدقية مؤسساته، وفي إمكانية الرهان عليها لإحداث الأثر في حياة الناس حتى لا أقول التغيير دون تحديد لمعناه، ويقرظون أبيات الهجاء على وجه الخصوص لخيار الإصلاح من الداخل، ويبخسون جهوده، ويقللون من جدوى ومنفعة ما يحققه، دون أن يقدموا بدائل فعلية أو نتائج موازية محصلة عبر خيار العمل خارج الشروط المتاحة ودون خضوع لإكراهات وسقف المؤسسات، فهذا لا يسعف في القول بأفضلية الممكن المتيسر على المنشود المتعذر.
وأما عن وجه الالتقاء الموضوعي بين النظام/السلطوية من وجهة نظر المشاركين، فيكمن في أن النظام/السلطوية يعمل ما في وسعه من أجل هندسة انتخابية تبعد غير المرغوب فيهم وتصعد المحظوظين وغير المزعجين له، وتبدأ هذه الهندسة من محاولة الحد من المشاركة وصناعة عزوف، عبر دفع الرافضين للوصفة المسبقة والرافضين بيع أصواتهم إلى العزوف السياسي، وعدم التسجيل في اللوائح الانتخابية، وتزهيد المسجلين منهم في الذهاب إلى صناديق الاقتراع، والتشكيك في من يتعصى تطويعه أو توجيهه أو إغراؤه، ودفع من ذهب إلى الصناديق إلى تخريب أصواتهم حتى لا يستفيد منها أقرب الأطراف إلى قناعاتهم. فالعزوف لا يمس في المقام الأول إلا الغاضبين من الوضع والرافضين للسياسات المنتهجة، ولا يهم إلا المستفيد من الأوضاع القائمة لا الطامح في تغييرها لفائدة الناس.
وهنا فإن الترافع ضد المشاركة بمقولات ومبررات كبرى، والانخراط في الاشتباك مع المشاركين في التفاصيل دونما أي فعل حقيقي في مواجهة قواعد اللعبة نفسها والشروط المجحفة عينها، من قبيل أسئلة الضمانات وأسئلة الاختصاصات واستقلالية المؤسسات وقدرتها على التغيير، وضد طريقة وضعها والمسؤولين عنها، فهذا يثير أسئلة منهجية كبيرة تتعلق بالتناسبية بين القول والعمل وبين النظرية والتطبيق. والمفارقة تكبر عندما ينخرط قواعدي في عملية منافسة محمومة في تفاصيل جدوى المشاركة السياسية، وفي حملة ممنهجة للتقليل من نتائج الفاعلين غير الرئيسيين والمنافسين المحتملين، والتقليل من آثار أفعالهم. هنا لا نكون فعلياً قد انتقلنا من معارضة النظام إلى خدمته، والقيام نيابة عنه في تحقيق بعض من أهدافه، والمتعلقة بالسعي إلى تحجيم معارضيه من المشاركين.

وفي هذا الصدد تلتقي جهود معارضة النظام مع جهود النظام نفسه، وجهود قواه المحظوظة وأصحاب المصالح المرعية، في عمل متناقض في الرؤية موحد في الممارسات مهما اختلفت الرهانات والمقاربات، أي أننا نكون إما في خدمة مجانية للنظام أو أمام استخدام ذكي من النظام لمعارضة الخارج في تحجيم معارضة الداخل، من خلال جعل عملها وأقوالها تخدم حملة شيطنة المعارضة الجادة، وتوفير شروط وبيئة تمكن من هندسة المشهد لتخسبس الوزن الانتخابي للقوى المعارضة من الداخل، ومنع تكرار تصدرها للانتخابات تفادياً لتكرار ما جرى في العشرية المعلومة.
والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى