بين قوسين: الصمت لا يعني عدم القدرة على الرد… لكنه ليس دائماً دليلاً على القوة

حين يصبح الكلام مسؤولية، ويصبح الصمت موقفاً يحتاج إلى تفسير
حين يصبح الصمت هروباً من السؤال
في العمل الجمعوي… الصمت ليس دائماً فضيلة
الرد ليس ضعفاً
الصمت لا يصنع الحقيقة
لا تجعلوا من الصمت هالة من القداسة
تبدو عبارة “الصمت لا يعني عدم القدرة على الرد “ جذابة ومريحة، لأنها تمنح الصامت صورة الإنسان القادر الذي اختار ألا يتكلم. لكنها، إذا أخذناها كقاعدة مطلقة، تحتاج إلى قدر كبير من المراجعة.فليس كل صمت قوة، كما أن كل رد ليس ضعفاً.
أحياناً يكون الصمت حكمة، وأحياناً يكون خوفاً، وأحياناً يكون تردداً، وأحياناً يكون عجزاً عن امتلاك الحجة. وفي المقابل، قد يكون الرد شجاعة ومسؤولية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس أو بسمعة شخص أو بمسؤولية جماعية.في الحياة العامة، لا يمكن دائماً الاحتماء بالصمت..عندما يُطرح سؤال واضح حول قرار، أو تدبير، أو مسؤولية، أو واقعة تحتاج إلى توضيح، فإن القول:“أنا صامت لأنني قادر على الرد”لا يقدم جواباً في حد ذاته.السؤال يبقى قائماً.والوقائع تبقى قائمة.والوثائق تبقى موجودة.والرأي العام لا يحتاج إلى معرفة من كان أكثر صمتاً، وإنما يحتاج إلى معرفة ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية؟وهنا يتحول الصمت من اختيار شخصي إلى قضية مرتبطة بالمسؤولية.في التنظيمات والجمعيات، يصبح الأمر أكثر حساسية.فإذا لاحظ عضو اختلالاً في التسيير، أو كانت لديه ملاحظات حول قرار تنظيمي، أو طلب توضيحات حول تدبير معين، فإن صمته قد يكون اختياراً شخصياً.لكن إذا كانت القضية تمس مصلحة الجمعية أو حقوق أعضائها، فقد يكون من المشروع أن يطرح الأسئلة داخل الأجهزة المختصة، وأن يطلب التوضيح، وأن يحتفظ بحقه في التعبير وفق القواعد المنظمة.هنا لا تكون المسألة:من صمت أكثر؟بل:من قدم الدليل؟ ومن أجاب عن السؤال؟هناك ثقافة منتشرة تقول إن الأقوى هو الذي لا يرد.لكن ماذا لو كان الرد هو الوسيلة الوحيدة لتصحيح معلومة خاطئة؟
ماذا لو وُجه اتهام إلى شخص بريء؟ماذا لو نُشرت معلومة غير دقيقة؟ماذا لو كان الصمت سيجعل الناس يعتقدون أن الادعاء صحيح؟في هذه الحالات، يصبح الرد مسؤولية، وليس ضعفاً.والرد القوي ليس هو الرد الغاضب، ولا الرد الذي يهاجم الأشخاص، وإنما الرد الذي يقدم الوقائع والوثائق والحجج.الحقيقة لا يحددها من يتكلم أكثر ولا من يصمت أكثر.الحقيقة تحتاج إلى:وثيقة.دليل.تاريخ.قرار.محضر.شهادة قابلة للتحقق.
لذلك فإن من يواجه بياناً أو نقداً بالصمت، يظل من حقه أن يصمت، لكن لا ينبغي أن يتوقع أن يؤدي صمته تلقائياً إلى إسقاط الأسئلة المطروحة.وبالمقابل، فإن من يصدر بياناً لا يصبح تلقائياً صاحب الحقيقة لمجرد أنه تكلم.الكلام يحتاج إلى دليل، والصمت لا يغني عن الحقيقة.هناك صمت يحترم العقل.هو الصمت الذي يأتي بعد التأكد من الوقائع، أو عندما يكون الرد الانفعالي أكثر ضرراً من الانتظار، أو عندما تكون القضية في حاجة إلى معالجة مؤسساتية.وهناك صمت آخر مريح لصاحبه، لأنه يجنبه مواجهة الأسئلة.الفرق بين الاثنين لا يظهر في الكلمات، بل في ما يحدث بعد الصمت.هل جاء التوضيح لاحقاً؟هل ظهرت الوثائق؟هل عولجت المشكلة؟هل تم فتح النقاش؟إذا كان الجواب نعم، فقد يكون الصمت مرحلة في مسار مسؤول.أما إذا كان الصمت وسيلة لإغلاق الموضوع، فإن الأسئلة ستبقى معلقة.المشكلة تبدأ عندما يتحول الصمت إلى وسيلة لإظهار التفوق:
“أنا لا أرد لأنني أكبر من الرد”..لكن الإنسان لا يصبح أكبر من السؤال بمجرد تجاهله.وقد يكون أحياناً أقوى رد هو الرد الهادئ والواضح.ليس ضرورياً أن ترفع صوتك.ليس ضرورياً أن تهاجم خصمك.ليس ضرورياً أن تدخل في معركة شخصية.يكفي أن تقول:هذه هي الوقائع، وهذه هي الوثائق، وهذا هو جوابنا.عندها ينتهي كثير من الجدل.نعم، الصمت قد يعني أن صاحبه اختار ألا يرد.لكنه لا يعني بالضرورة أنه قادر على الرد.كما أن الرد لا يعني بالضرورة الضعف.فقد يكون الرد دفاعاً عن الحقيقة، أو تصحيحاً لمعلومة، أو حماية لحق، أو تحملًا للمسؤولية.لذلك، ربما تكون الصياغة الأكثر دقة للمقولة هي:
«الصمت لا يعني دائماً العجز عن الرد، كما أن الرد لا يعني دائماً الضعف؛ فالقوة الحقيقية أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، وماذا تقول عندما تتكلم.»
فلا ينبغي أن نقيس قوة الإنسان بعدد المرات التي صمت فيها، ولا بعدد الكلمات التي قالها، وإنما بقدرته على مواجهة الحقيقة عندما يحين وقتها.





