علامة استفهام : رئيس الجمعية… صفة ومسؤولية، أم لقب للاستهلاك؟
حين يتحول منصب الرئيس من تفويض جمعوي إلى سلطة شخصية

الرئيس لا يصنع نفسه رئيساً
الرئيس ليس مالكاً للجمعية
الرئيس لا يعلو على النظام الأساسي
الرئيس ينفذ… ولا يختصر الجمعية في شخصه
الرئاسة تكليف وليست تشريفاً
في العمل الجمعوي، لا تكفي كلمة “الرئيس” لصناعة الشرعية، ولا يكفي أن يحمل شخص لقب رئيس جمعية حتى تصبح كل قراراته وأقواله وتصرفاته صحيحة وملزمة. فالرئاسة داخل التنظيم الجمعوي ليست امتيازاً شخصياً، وإنما صفة تنظيمية تستمد مشروعيتها من النظام الأساسي، ومن طريقة الانتخاب أو التعيين المنصوص عليها، ومن احترام اختصاصات أجهزة الجمعية وقراراتها.
وهنا بالضبط يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يطرح بجرأة:من هو رئيس الجمعية قانوناً؟ ومتى يكون الشخص رئيساً فعلاً؟ وما حدود سلطته؟ وهل يستطيع أن يتصرف باعتباره «الجمعية» كلها؟
هذه ليست أسئلة شخصية، وإنما أسئلة مرتبطة بالحكامة والمسؤولية داخل العمل الجمعوي.
الإطار القانوني المغربي للجمعيات يستند أساساً إلى الظهير الشريف رقم 1.58.376 المنظم لحق تأسيس الجمعيات، كما تم تغييره وتتميمه، وتوفر الأمانة العامة للحكومة النصوص المرجعية والإجراءات المتعلقة بالجمعيات. لكن القانون لا يجعل من لقب “الرئيس” منصباً منفصلاً عن التنظيم الداخلي للجمعية.
فالجمعية لها نظام أساسي يحدد أجهزة الجمعية واختصاصاتها وكيفية اشتغالها، ولذلك فإن السؤال الأساسي عند أي نزاع حول صفة الرئيس ليس:
“من يقول إنه الرئيس؟”بل:“بأي سند أصبح رئيساً؟”هل انتُخب من طرف الجهاز المخول بذلك؟
هل انعقد الجمع العام وفق الشروط المنصوص عليها؟هل تم احترام النصاب وكيفية التصويت؟هل انتهت مدة الولاية أم ما زالت قائمة؟هل توجد استقالة أو إعفاء أو شغور؟وهل تم تجديد المكتب وفق الإجراءات المعتمدة؟هذه هي الأسئلة التي تصنع الشرعية التنظيمية.
الجمعية ليست شركة يملكها شخص، وليست ملكاً خاصاً لرئيسها. وهذه نقطة جوهرية.
الرئيس مسؤول داخل تنظيم، وليس مالكاً للتنظيم.وقد يكون هو الشخص الذي يمثل الجمعية أمام الإدارة والقضاء والغير، بحسب القانون الأساسي والاختصاصات المقررة له. بل إن المادة 33 من الظهير المنظم لحق تأسيس الجمعيات تنص، في الأصل، على أن الدعاوى التي تهم الجمعيات تمارس بصورة صحيحة من طرف رئيسها، أياً كانت التسمية التي يحملها، ما لم توجد مقتضيات مخالفة أو خاصة في النظام الأساسي.
وهذا مهم جداً:التمثيل القانوني لا يعني امتلاك الجمعية.
الرئيس يمثل الجمعية ضمن حدود صفته واختصاصاته، ولا يحل محل جميع أجهزتها.
من أخطر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي تنظيم جمعوي هو التعامل مع الرئيس وكأنه السلطة الوحيدة داخل الجمعية...الرئيس له اختصاصاته، لكن الجمعية لها أيضاً جمع عام ومكتب وأجهزة أخرى، بحسب ما يحدده نظامها الأساسي.وتؤكد النماذج الرسمية المنشورة من الأمانة العامة للحكومة أهمية تحديد أدوار أجهزة الجمعية ووظائفها، وضمان مشاركة الأعضاء في الإدارة والتسيير وممارسة الرقابة الدورية.
وفي نموذج نظام أساسي منشور رسمياً، نجد مثلاً أن الجمع العام يوصف بأنه الجهاز الأعلى لاتخاذ القرار، وأن انتخاب أعضاء المكتب يتم من طرف الجمع العام، بينما تُحدد للرئيس اختصاصات محددة، من بينها رئاسة اجتماعات المكتب والسهر على سير الجمعية وتنفيذ قرارات أجهزتها وتمثيلها أمام الإدارة والقضاء والغير. والأهم هنا أن هذا نموذج رسمي وليس قاعدة موحدة حرفياً لكل الجمعيات؛ فالعبرة في الجمعية المعنية تكون بنظامها الأساسي والنظام الداخلي والمقتضيات القانونية الواجبة التطبيق.
الرئيس القوي ليس من يتصرف وكأن كل قرار يجب أن يصدر عنه.
الرئيس القوي هو من يعرف حدود اختصاصه.
فإذا كان القرار من اختصاص الجمع العام، فلا ينبغي أن يتحول إلى قرار فردي.
وإذا كان من اختصاص المكتب، فلا ينبغي أن يُختزل المكتب في شخص الرئيس.
وإذا كانت هناك مسألة تستوجب التداول والتصويت، فلا ينبغي أن تتحول إلى أمر شخصي.
وإذا كان النظام الأساسي يحدد طريقة معينة لاتخاذ القرار، فإن احترامها ليس إجراءً شكلياً، وإنما جزء من سلامة القرار التنظيمي.
الرئاسة مسؤولية في إطار المؤسسات، وليست سلطة فوق المؤسسات.
وماذا عن البيانات الموجهة إلى الرأي العام؟هنا تظهر مسألة شديدة الحساسية.إذا أصدر رئيس الجمعية بياناً باسم الجمعية، فينبغي السؤال:هل يتحدث بصفته الشخصية، أم بصفته رئيساً، أم باسم جهاز اتخذ قراراً؟
الفرق ليس بسيطاً.
فعبارة:“أنا، بصفتي عضواً، أرى أن…“
ليست مثل:الجمعية تعلن أن…
والثانية يفترض أن يكون لها سند من الصفة والاختصاص، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بموقف رسمي باسم الجمعية.أما إذا أصدر عضو بياناً ينتقد فيه التسيير بصفته الشخصية، فلا ينبغي الخلط تلقائياً بين رأيه الشخصي وبين موقف الجمعية الرسمي.
وهنا تعود القاعدة إلى الواجهة:
من يتحدث؟ وبأي صفة؟ وبأي تفويض؟
هل الرئيس فوق النقد؟قطعاً لا ينبغي الخلط بين احترام الصفة وبين تحصين صاحبها من النقد.
الرئيس، باعتباره مسؤولاً عن تدبير جزء من شؤون الجمعية ضمن اختصاصاته، يمكن أن يكون موضوع مساءلة داخلية ونقاش وملاحظات وانتقادات، مع احترام القواعد القانونية والتنظيمية وعدم تحويل النقد إلى قذف أو تشهير أو اتهامات غير مثبتة.والأمر نفسه ينطبق على أعضاء المكتب وعلى باقي المسؤولين.
فإذا كان الرئيس يستطيع إصدار توضيح، فإن العضو يستطيع، وفق القواعد المنظمة، أن يطرح سؤالاً.
وإذا كان الرئيس يستطيع الرد، فإن الرد لا ينبغي أن يتحول إلى إسكات للنقد.
وإذا كانت هناك اتهامات غير صحيحة، فالمواجهة الطبيعية معها هي الدليل والوثيقة والتوضيح.
من يراقب الرئيس؟
السؤال الأكثر أهمية ربما ليس:
من هو الرئيس؟
بل:من يراقب ممارسة الرئيس لاختصاصاته؟
الجمعية التي تضع اختصاصات واضحة لأجهزتها وتحدد آليات اتخاذ القرار والمراقبة تكون أقل عرضة لتحويل المسؤولية إلى سلطة شخصية.
أما عندما تصبح كل القرارات مرتبطة بشخص واحد، وكل البيانات باسمه، وكل التوضيحات من خلاله، وكل الاختلافات معه، فإن الخطر لا يكون في شخص الرئيس وحده، بل في ضعف المؤسسات الداخلية للتنظيم.
ولهذا فإن الحكامة الجمعوية الحقيقية تقوم على قاعدة بسيطة:
الرئيس جزء من المؤسسة، وليس بديلاً عنها.
من يتقلد رئاسة جمعية لا يحصل على لقب اجتماعي فقط؛ بل يتحمل مسؤولية مرتبطة بالجمعية وأجهزتها وأعضائها ومصالحها.
وكلما ارتفعت المسؤولية، ارتفعت معها الحاجة إلى الشفافية والتوثيق واحترام المساطر.
فالرئيس الذي يريد أن يكون ممثلاً حقيقياً لجمعيته لا يخشى السؤال.
ولا يخشى محضر اجتماع.
ولا يخشى عرض الوثائق.
ولا يخشى النقد المسؤول.
ولا يحتاج إلى تحويل الجمعية إلى مساحة للصوت الواحد.
فالسلطة التنظيمية التي تحتاج إلى إسكات الأسئلة تكون بحاجة إلى مراجعة طريقة ممارستها، أما السلطة التي تستند إلى النظام الأساسي والوثيقة والقرار المؤسساتي فلا تخشى الحوار.
لا تسألوا فقط “من هو الرئيس؟”
عند ظهور نزاع حول شرعية رئيس جمعية أو حدود صلاحياته، لا ينبغي أن يكون النقاش شخصياً.
يجب طرح أسئلة محددة:كيف تم انتخابه؟من انتخبه؟متى انتُخب؟ما مدة ولايته؟هل انتهت أم ما زالت سارية؟
ما الجهاز الذي يملك صلاحية تجديده أو إعفائه؟ماذا يقول النظام الأساسي؟ما اختصاصاته تحديداً؟
هل القرار الذي اتخذه يدخل ضمن اختصاصه أم ضمن اختصاص جهاز آخر؟وهل توجد محاضر تثبت القرارات التي تُنسب إلى الجمعية؟
الرئيس ليس من يضع اسمه أمام كلمة «رئيس» فقط؛ الرئيس هو من تثبت صفته وفق القواعد المنظمة، ويمارس اختصاصاته داخل حدودها، ويحترم أجهزة الجمعية، ويتحمل مسؤولية القرارات التي تدخل في نطاق اختصاصه.
الجمعية ليست شخصاً، والرئيس ليس مالكاً لها، والمكتب ليس ملكية خاصة، والجمع العام ليس مجرد مناسبة لالتقاط الصور.
الجمعية مؤسسة مدنية، والرئاسة تكليف، والاختصاص مسؤولية، والوثيقة هي الفيصل.
ومن يريد أن يُحترم كرئيس، فليحترم أولاً المؤسسة التي انتخبته، والنظام الأساسي الذي يحدد صلاحياته، والأعضاء الذين منحوه ثقتهم.





