الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

تقديم كتاب “سؤال الضحك ..برغسون نموذجا”

تقديم كتاب سؤال الضحك برغسون نموذجا لعبد الحميد شكيب.
توطئة:
يرى برغسون، أننا لا نضحك إذا رأينا إنساناً يتصرف تصرف الآلة ويقيس الأمور قياساً آلياً لا محل فيه للتميز المنطقي، ولكننا نضحك في الجماعة عامة ولا نضحك منفردين؛ لأن الضحك تنبيه اجتماعي أو عقوبة اجتماعية لمن يغفل عن العرف المتبع في المجلس أو في المحفل أو في الهيئة الاجتماعية بأسرها. والضحك عنده إنساني بمعاني الكلمة، فلا يُشاهَد في غير الإنسان، ولا يستثيرنا في غير عمل إنساني أو عمل نربطه بالإنسان.
إن الفلسفة تراود مكنونات الإنسان
عندما يتفرد الإنسان بين مخلوقات العالم بكونه ساخراً إزاء العيوب والفضائل.
ويعد كتاب “الضحك” للفيلسوف برغسون محاولة في دلالة الهزلي، يرتبط بالولادة الحقيقية للتحليل النفسي، على يد فرويد وصحبه، وهو السياق نفسه الذي جعل فرويد يكتب “تفسير الأحلام”
ولا بد من أن نشير إلى أن كتابة “الضحك” ترتبط، في زمنها، بالولادة الحقيقية للتحليل النفسي، على يد فرويد وصحبه، وهو السياق نفسه الذي جعل فرويد يكتب “تفسير الأحلام”. حيث كان الشعار: آن للإنسان أخيراً أن يفهم كل ظواهر حياته، الخفية.
الكاتب عبد الحميد شكيب انطلق من سؤال مركزي أثناء بحثه في موضوع ” سؤال الضحك، برغسون نموذجا”، هل يمكن للضحك أن يكون موضوعا فلسفيا؟
هذا السؤال يتطلب إجابة بطبيعة الحال ليست نهائية لأن الفلسفة لا تجيب بقدر ما تطرح السؤال. لكن من المفروض أن يتناول موضوع الضحك ويحاول القبض على الجواب المنفلت.
وهنا نطرح مع الكاتب دوافع اختياره لموضوع الضحك؟
أسباب اختيار موضوع الضحك:
يأتي اختيار موضوع الضحك عند شكيب أنه وجد استعدادا ودافعا ليخوض في تجربة مقاربة الضحك، ونظرا لاهتمامه بالنصوص الساخرة وبالمسرح. والفن عموما.
ويتساءل المؤلف، كيف يمكن أن نقارب الضحك من منظور فلسفي وهنا رجع للسؤال الذي طرحناه سابقا هل يمكن للضحك أن يكون موضوعا فلسفيا؟
ومادامت الفلسفة قد أحاطت بجميع المواضيع، وقارب الفلاسفة منذ سقراط إلى يومنا هذا جميع المواضيع من خير وشر وأخلاق وسعادة وإرادة وقوة وسياسة ودين وفن وتربية وخرافة وأسطورة الخ. .. فهل يعقل أن لا تقارب الفلسفة الضحك؟
لقد حاول المؤلف أن يغوص في هذا الموضوع بتعريف مفهوم الضحك، والتأريخ نسبيا، للضحك عند الفلاسفة، وعلاقة الضحك بالمقدس.
مضامين الكتاب:
الكتاب من الحجم المتوسط يقع في 111 صفحة، صدر عن منشورات مكتبة السلام الجديدة.
لامس فيه المؤلف موضوع الضحك بمقدمة طرح فيها إشكال بحثه، وبين أن قدماء المصريين ذهبوا، في اعتقادهم إلى أن العالم خلق من ضحك. فإذا كان قد خلق من ضحك أليس هذا يدخل في باب الكوسمولوجيا ؟ إذا كان كذلك فهو موضوع فلسفي بامتياز.
ومن هذا المنطلق فسؤال الضحك هو الإشكال الذي يؤطر هذا البحث.
وأبرز أن موضوع الضحك لم تتناوله الفلسفة فقط بل تناوله الأدب من شعر وقصة وزجل وملحون بالنسبة للمغرب كقصيدة الزردة على سبيل المثال. وتناوله المسرح منذ القديم، …. والمقامات وكتابات الجاحظ في كتابه البخلاء بالخصوص الذي تناول فيه هذه الفئة من الناس، والكتاب غني بذكر أوصافهم ومعاملاتهم وطريقة تفكيرهم، وكذلك ابن الجوزي في كتابه أخبار الظراف والمتماجنين.
مقدمة الكتاب ص 4\5.
وممن أجاب عن سؤال تعريف الضحك الكاتب المجري جورج مايكيش ساخرا من التعريفات المتعددة التي قيلت عن الفكاهة والضحك والنكتة، إن ذلك يشبه ما حدث لذلك الشيخ الأعمى حين سأل فتاة صغيرة عن طبيعة الحليب دهشت الفتاة للسؤال الذي لم تكن تتوقعه…. مقدمة الكتاب ص 5.
إننا أينما ولينا وجهنا فتم الضحك إنه يؤثث مظاهر حياتنا الاجتماعية متواجد في كل زمان ومكان، عند الكبار والصغار. الضحك مقاومة وحاجة للتغلب على الآلام والاحباطات والتنفيس عن الأزمات النفسية والاجتماعية. بالضحك يحيى الإنسان، والإنسان حيوان ضاحك كما قال أرسطو.
الضحك عنصر من عناصر الهدم والتدمير لكنه تدمير من أجل البناء كما قال باختين.
وكما قال الفيلسوف هنري برغسون في كتابه الضحك الذي حاول المؤلف مقاربته في هذا البحث:
«الضحك لا يكون في العزلة بل يكون دائما ضحك جماع..»
إن موضوع الضحك موضوع قديم في التاريخ البشري حتى إن قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن العالم خلق من الضحك، فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق العالم أطلق ضحكة قوية فكانت أرجاء العالم السبعة ثم أطلق ضحكة أخرى فكان النور، وأطلق ضحكة ثالثة فكان الماء وهكذا حتى تم خلق الروح من الضحكة السابعة . انظر أحمد أبو زيد، عالم الفكر المجلد 13 العدد 3 -1982.
يتكون هذا البحث من مقدمة، وأربعة فصول وخاتمة.
الفصل الأول خصصه لتعريف الضحك ومفهومه، الفصل الثاني خصصه لمفهوم الضحك عند الفلاسفة، الفصل الثالث تناول فيه الضحك والمقدس. أما الفصل الرابع فخصصه لكتاب الضحك عند برغسون.
يعتبر برغسون أول فيلسوف خصص كتابا للضحك عكس الفلاسفة الآخرين الذين لا مسوه عبر شذرات أو أشاروا إليه إشارات. ويمكن أن نقول إن موضوع الضحك لم تدرسه الفلسفة بما فيه الكفاية. وظل عندها مهمشا أو ليس ذات أولوية.
لقد جاءت فصول الكتاب بعد المقدمة على الشكل التفصيلي التالي: الفصل الأول عنونه ب تعريف الفكاهة، تعريف الضحك، الضحك أنواع ومراتب .
الفصل الثاني: مفهوم الضحك عند الفلاسفة، أفلاطون والضحك، سقراط والضحك، أرسطو والضحك، الضحك عند طوماس هوبز، الضحك عند ديكارت، الضحك عند نيتشه، السخرية والفكاهة.
الفصل الثالث: الضحك والمقدس، الضحك في المقدس الإسلامي..
الفصل الرابع: الضحك عند برغسون.
خلاصة:
إن مقاربة الضحك خصوصا عند الفلاسفة ليس بالأمر اليسير نظرا لعدة أسباب منها أنهم لم يخصصوا له كتبا أو حيزا كبيرا بل كانت هناك شذرات وإشارات مندسة بين طيات الكتب قاربه أفلاطون وأرسطو وغيرهم، ولكن الفيلسوف الذي خصص كتبا وتناول الضحك هو الفيلسوف هنري برغسون، هذا الفيلسوف الذي استطاع أن يثبت الضحك كموضوع قائم بذاته ويقاربه من شتى الأوجه.
إن موضوع الضحك مازال بكرا يمكن أن تقام حوله عدة أبحاث فلسفية، وهو خصب للغاية ويتقاطع مع فنون عديدة من ملهاة ومأساة ومسرح وكاريكاتير ورسوم ضاحكة ويتمثل في النصوص القصصية والشعرية والمقالات والمقامات والهجاء… الخ
ركز المؤلف على بعض الفلاسفة، وكان من الممكن أن يضيف آخرين ككانط وهيجل وشوبنهاور،
لقد واجهت المؤلف، عقبات، منها قلة المصادر المتخصصة في الموضوع، واعتمد على كتاب الضحك لبرغسون في مقاربته هاته.
ومعلوم أن هناك فقرا في الخزانة العربية عن موضوع الضحك خصوصا في جانبه الفلسفي، وبخصوص الكتب العربية تكاد المراجع في مجال الفكاهة والضحك أن تكون معدومة.
إن الضحك أصبح نادرا في هذا الزمن الرديء، ولكن الذي يستطيع أن يوزع البسمات على القسمات، لا يجد له المؤلف من التسميات غير البطل… «الفنان الطيب لعلج».
فعلا الضحك نادر في زمن الأزمات، والكتابة عنه ومقاربته أندر. ولكن مهما يكن فالضحك مطروح في الطرقات كما المعاني حسب قول فيلسوف الضحك الجاحظ.
إن فائدة “الضحك” مزدوجة، لأنها جمالية وميتافيزيقية في الوقت نفسه إذ إنه يتعمق في فكرة دفق الحياة الحقيقي الذي يفلت من براثن” المعرفة المفهومية”. وهذا التعمق هو الذي مهد لظهور كتاب برغسون، الأشهر فلسفياً، وخارج نطاق الحس الشعبي العام: “التطور الخلاق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى