حرام علينا وحلال عليهم؟! حديقة محمد الخامس بالجديدة بين ورش التأهيل ومنطق الاستثناء… من يملك حق فتحها قبل اكتمال أشغالها؟

في مدينة الجديدة، يبدو أن بعض الأسئلة لا تموت، حتى عندما تتغير الوجوه وتتبدل المشاريع وتُرصد الملايين لإعادة الاعتبار إلى فضاء طالما انتظر الجديديون أن يستعيد مكانته.
ومن بين هذه الأسئلة، يعود اليوم سؤال حديقة محمد الخامس إلى الواجهة، ليس بسبب أشغال إعادة تأهيلها فقط، وإنما بسبب ما أُثير بشأن نصب خيام وإقامة نشاط داخل فضاء ما تزال الأشغال جارية فيه.
وهنا لا نريد أن نسبق الأحداث، ولا أن نتهم جهة بعينها، ولا أن نحول الملاحظة إلى إدانة. لكن من حق المدينة أن تسأل:
هل الحديقة ورش مغلق إلى حين انتهاء الأشغال وتسليمها، أم فضاء مفتوح يمكن استغلاله قبل اكتمال المشروع؟ وإذا كان مسموحاً، فمن رخص؟ وبأي سند؟ وتحت أي شروط للسلامة؟
هذه ليست أسئلة مجانية.
فالمشروع المتعلق بتهيئة وتأهيل حديقة محمد الخامس والطريق الشاطئية المرتبطة بها حظي باتفاقية تمويل، وتظهر المعطيات المنشورة أن جماعة الجديدة هي صاحبة المشروع وحاملة المشروع أو من تنتدبه أو تفوض له ذلك، وأن المشروع يتضمن أشغالاً وتجهيزات مرتبطة بالسلامة والوقاية والإنارة والمسارات والفضاءات الخضراء.
والحديقة ليست فضاءً عادياً. فبرنامج عمل جماعة الجديدة يدرجها ضمن المنتزهات الكبرى بالمدينة، بمساحة تقارب 35 ألف متر مربع.
فأين تكمن المفارقة؟
المفارقة أن مدينة الجديدة أنفقت، أو بصدد إنفاق، موارد مهمة لإعادة تأهيل هذا الفضاء وإعادة الاعتبار إليه، في وقت ما تزال فيه الأشغال موضوع متابعة وانتقاد بسبب التأخر وعدم اكتمال بعض الأجزاء. وقد عادت الحديقة خلال الأشهر الأخيرة إلى واجهة النقاش المحلي بسبب وضعية الورش ومآل المشروع.
وفي هذه الظروف بالذات، تظهر صور أو معطيات متداولة عن إقامة خيام واستغلال جزء من الحديقة في نشاط ما.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس لأننا ضد المعارض.
وليس لأننا ضد الأنشطة الثقافية أو التجارية أو الترفيهية.
ولكن لأن السؤال الحقيقي هو:
هل يمكن أن نقيم نشاطاً عمومياً في فضاء ما زال ورشاً، قبل أن يصبح جاهزاً وآمناً ومفتوحاً رسمياً أمام العموم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن الأمر واضحاً للناس: من الجهة التي رخصت؟ وما طبيعة الترخيص؟ وما شروطه؟ ومن يتحمل مسؤولية السلامة؟
وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
من سمح بإقامة النشاط؟
حرام علينا… وحلال عليهم؟
هنا تحديداً يستمد العنوان معناه.
فإذا كان المواطن العادي ممنوعاً من دخول ورش غير مكتمل حفاظاً على سلامته، وإذا كان الأطفال لا يفترض أن يتجولوا وسط الأتربة والأسلاك ومعدات الأشغال، فكيف يمكن أن يتحول المكان نفسه إلى فضاء لنشاط عمومي؟
هل هناك استثناء؟
وإذا كان هناك استثناء، فمنحه؟
وبأي شروط؟
وهل طُبقت على هذا النشاط نفس شروط السلامة التي تطبق على غيره؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
إنها أسئلة مواطن يريد أن يفهم.
لا نريد ترخيصاً في الظلام
المدينة لا تطالب المستحيل.
لا أحد يطلب منع الأنشطة.
ولا أحد يريد قتل الحياة الثقافية والاقتصادية في الجديدة.
المطلوب فقط هو الوضوح.
إذا كان النشاط مرخصاً، فليكن الترخيص واضحاً.
إذا كان المكان صالحاً للاستغلال الجزئي، فليُشرح ذلك للرأي العام.
إذا كانت السلامة مضمونة، فليتحمل صاحب الاختصاص مسؤوليته.
أما أن يرى المواطن الخيام منصوبة داخل ورش، ثم يظل يبحث عن جواب حول الجهة التي سمحت بذلك، فهذه هي المشكلة الحقيقية.
المشروع ليس ملكاً لجهة وحدها
حين يتعلق الأمر بفضاء عمومي ومشروع ممول من المال العام، فإن الموضوع يتجاوز المجلس أو السلطة أو المقاول أو صاحب النشاط.
إنه شأن المدينة كلها.
والجديديون الذين انتظروا سنوات حتى يروا حديقتهم تستعيد عافيتها، من حقهم أن يعرفوا كيف تُدار المرحلة الانتقالية.
خصوصاً أن المشروع نفسه قدم باعتباره مشروعاً لإعادة الاعتبار للحديقة وتحسين المشهد البيئي وتوفير فضاءات للترفيه والتنزه.
فهل من المنطقي أن يبدأ استغلال الفضاء قبل أن تنتهي عملية التأهيل؟
السؤال مشروع، والجواب يجب أن يكون واضحاً.
لسنا في زمن “دبّر راسك“
الجديدة تستحق أن تتجاوز منطق:
«دبّر راسك»
و:
«كلشي غادي يدوز»
و:
«راه غير أيام وغادي يتحيد».
فالفضاء العمومي ليس ملكاً مؤقتاً لمن يضع خيمة فيه.
والترخيص، إن وجد، ليس ورقة شكلية.
والمسؤولية لا تبدأ بعد وقوع الحادث، وإنما قبل وقوعه.
إذا كان المكان ورشاً، فالأصل أن تكون شروط السلامة واضحة.
وإذا كان مفتوحاً للعموم، فيجب أن تكون وضعيته واضحة.
وإذا كان النشاط مرخصاً، فليكن الأمر معلناً وفق القواعد الجاري بها العمل.
المطلوب ليس إدانة أحد… بل جواب واحد
نحن لا نقول إن جهة ما ارتكبت مخالفة.
ولا نقول إن النشاط غير مرخص.
بل نطرح السؤال الذي يستحق جواباً رسمياً:
هل النشاط المقام داخل حديقة محمد الخامس خلال استمرار أشغال التأهيل مرخص؟ ومن الجهة التي رخصت له؟ وهل تم التأكد من شروط السلامة وملاءمة استغلال جزء من الورش مع وضعية المشروع؟
هذا هو السؤال.
فليأت الجواب.
وبعدها لكل حادث حديث.
أما أن يتحول المواطن إلى محقق، والصحفي إلى قاضٍ، والمسؤول إلى متهم قبل سماع جوابه، فهذا ليس ما نريده.
نريد فقط المعلومة الرسمية.
وفي النهاية…
حديقة محمد الخامس ليست مجرد مساحة من الإسمنت والعشب والخيام.
إنها جزء من ذاكرة الجديدة، وقد عانت لسنوات من نقاشات حول طريقة استغلالها والحفاظ على طابعها. وقد سبق أن تناولت وسائل إعلام محلية، في سنوات مختلفة، مسألة تحويل الحديقة إلى فضاءات لاحتضان أنشطة جماهيرية وما خلفه ذلك من جدل حول وظيفتها الأصلية.
واليوم، ونحن أمام مشروع جديد لإعادة تأهيلها، كان المنتظر أن تكون الرسالة واضحة:
نحافظ على الحديقة، نحترم الورش، نحمي المواطنين، ونطبق نفس القواعد على الجميع.
لذلك يبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى خطب طويلة:
إذا كان ممنوعاً على المواطن أن يدخل ورشاً غير مكتمل حفاظاً على سلامته… فهل يصبح مسموحاً لغيره أن ينصب الخيام ويستقبل الناس داخله؟
إن كان نعم، فأين الترخيص؟
وإن كان لا، فمن سمح؟
لأن المدينة لا تريد “حرام علينا وحلال عليهم“.
المدينة تريد قاعدة واحدة للجميع




