
الحمد لله الذي قصم الجبابرة، وأهلك الظالمين، وجعل عاقبة الفساد الخراب والدمار، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي حذر من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.
أما بعد عباد الله،
يقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
هذه الآية ليست للتلاوة فقط، بل هي إعلان رباني بأن هلاك الأوطان يبدأ عندما يتحكم المترفون والفاسدون والجشعون في رقاب الناس وأقواتهم ومصيرهم.
حين تتحول السياسة إلى تجارة، والحكومة إلى أداة لخدمة اللوبيات، والدولة إلى غنيمة تتقاسمها شبكات المصالح والاحتكار، فاعلموا أن الأمة دخلت مرحلة الخطر العظيم.
لقد أصبح المواطن البسيط اليوم يئن تحت جحيم الأسعار، بينما لوبيات المحروقات والأدوية والمصحات الخاصة والعقار والمواد الغذائية الأساسية تزداد ثراءً ونفوذاً. فئة قليلة تراكم المليارات، وشعب كامل يطحنه الغلاء والقهر والبطالة واليأس.
إن ما يعيشه الناس اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل نتيجة مباشرة لتحالف المال والسلطة، حيث أصبح بعض السياسيين ورجال الأعمال يتحكمون في السوق والقرار والثروة في آن واحد. وفي قلب هذا الجدل العمومي تتوجه انتقادات واسعة إلى حكومة Aziz Akhannouch باعتبارها عنواناً لهيمنة الرأسمال المتوحش على حياة المغاربة.
عباد الله،
إن الله حين تحدث عن “المترفين” لم يتحدث عن الأغنياء فقط، بل عن طبقة تستغل نفوذها لإفساد المجتمع ونهب خيراته وإذلال شعبه.
﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾
أي نشروا الظلم والجشع والاحتكار والفساد، حتى يصبح الفقير عاجزاً عن العلاج، والعامل عاجزاً عن العيش الكريم، والشباب فاقداً للأمل، والمتقاعد مهدداً في كرامته، والطبقة الوسطى مسحوقة بلا رحمة.
ثم تأتي أخطر مرحلة:
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾
أي أن الهلاك يصبح حتمياً، لأن الله لا يحمي أمة استباح مترفوها المال العام، واحتكروا الأسواق، وأغرقوا الشعب في الفقر بينما يعيشون هم في النعيم والامتيازات.
إن الهلاك قد يكون اقتصادياً حين تنهار القدرة الشرائية، وقد يكون اجتماعياً حين ينتشر اليأس والحقد، وقد يكون سياسياً حين يفقد الشعب الثقة في المؤسسات، وقد يكون أخلاقياً حين يصبح الفساد أمراً عادياً والجشع ذكاءً والانتهازية بطولة.
أيها المؤمنون،
التاريخ لا يرحم، وكل الأنظمة التي استقوت بالمال والاحتكار والإعلام وسحقت شعوبها انتهت إلى السقوط واللعنة الشعبية. فلا أحد أقوى من سنن الله في الأرض.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل شعور الناس بأنهم متروكون لفئة متوحشة لا ترى في الوطن إلا سوقاً للربح، ولا ترى في الشعب إلا أرقاماً ومستهلكين.
ولهذا فإن إنقاذ الوطن يقتضي وقف تغول اللوبيات، ومحاسبة الفاسدين والمحتكرين، وربط المسؤولية بالمحاسبة الحقيقية، لأن استمرار هذا الوضع يعني السير نحو المجهول.
اللهم إنا قد بلغنا، اللهم فاشهد.
اللهم لا تؤاخذ الشعب بفساد المفسدين، ولا بظلم المحتكرين، ولا بجشع المتنفذين.
اللهم احفظ الوطن من الانهيار والفتن، وأقم فيه العدل والحق، وأرنا في الظالمين والمحتكرين يوماً عظيماً.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.





