24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

​زلزال سياسي في المغرب: “التجمع الوطني للأحرار” خارج الأسوار الحكومية.. رفض حزبي واسع وعقاب صندوق الاقتراع

​يعيش المشهد السياسي المغربي على وقع تطورات استثنائية، تضع أحزاب الائتلاف التقليدي وجهاً لوجه أمام واقع مباغت. فخروج حزب “التجمع الوطني للأحرار” من هندسة الحكومة المرتقبة لم يأتِ فقط نتيجة تراجع شعبي واختلال في موازين القوة الانتخابية، بل جاء تتويجاً لرفض صارم وحاسم من قِبل باقي الأحزاب السياسية الأخرى مشاركته في أي ائتلاف حكومي مقبل، ممثلاً محطة فارقة ونقطة تحول كبرى في مسار حزب “الحمامة” الذي أسسه أحمد عصمان سنة 1978، لتكون هذه المرة الأولى التي يجد فيها الحزب نفسه خارج الحكومة منذ عهد التأسيس.

​منذ عقود، ظل حزب التجمع الوطني للأحرار لصيقاً بتدبير الشأن العام وموقع السلطة التنفيذية، سواء في عهد مؤسسه أحمد عصمان، أو عبر المحطات المتعاقبة التي رسخت صورة الحزب كـ”دينامو” أساسي داخل الائتلافات الحكومية بمختلف تلويناتها.

هذا الحضور شبه الدائم جعل قيادات الحزب وقواعده يألفون مقاعد التدبير الوزاري، معتبرين إياها امتداداً طبيعياً لثقله السياسي والمؤسساتي. لذا، فإن مغادرة ردهات الوزارات والاصطفاف خارج الأغلبية الحكومية — مدفوعاً برفض حزبي قاطع من التشكلات السياسية المتحالفة لشروطه ومنطقه — يشكلان صدمة تنظيمية ونفسية غير مسبوقة لأطر الحزب ومناضليه الذين تعودوا على الإمساك بملفات استراتيجية كبرى وتسيير الوزارات بلا منازع.

​إن المتتبع لتفاعلات الساحة السياسية المغربية يقف على مفارقات عجيبة تصنعها صناديق الاقتراعات ومواقف الفرقاء الحزبيين. فبينما علقت في الذاكرة القريبة تصريحات مثيرة للجدل لبعض وجوه الحزب — تلك التي حملت طابعاً من الاستعلاء والثقة المفرطة في احتكار القرار — جاءت اللحظة السياسية الحالية لتؤكد أن كلمة الفصل تظل دوماً للشعب ولإرادة الشركاء السياسيين الذين ضاقوا ذرعاً بمنطق الهيمنة.

لم يكن أشد المتفائلين أو المتشائمين يتوقع أن ينقلب السحر على الساحر بهذه السرعة القاسية؛ فمن كان يخرج من قيادات الحزب ليوحي بأنه سيعيد “التربية” للمواطنين، وجد نفسه وأطراف حزبه أمام مرآة الواقع الصادم، حيث أثبت الناخب والمواطن المغربي بوعيه الانتخابي أنه هو من لقن هؤلاء درسًا قاسيًا في التواضع، وأعاد التربية لهم ولمن سار على دربهم، بينما تولت الأحزاب الأخرى ترجمة هذا السخط برفضها القاطع الجلوس معه على طاولة الحكومة.

ولم تقتصر هذه الثقة الزائدة على لغة التعالي فحسب، بل امتدت إلى كواليس التدبير والحديث الواثق عن هندسة الحكومة والتحكم المطلق، من قبيل تصريحات رشيد الطالبي العلمي ومن معه بشأن التحكم في قطاعات حيوية كوزارة المالية واختيار الحقائب. ليأتي المخاض الحكومي الأخير ورفض باقي الأحزاب المبدئي لأي صيغة تجمعها به، ليسقط تلك الأوهام، ويجد أصحاب تلك الخطابات أنفسهم خارج اللعبة برمتها وخارج أسوار القرار التنفيذي.

​إن مغادرة حزب الحمامة لموقعه الحكومي لا يُقْرأ فقط كمتغير انتخابي عابر أو نتيجة حتمية لإغلاق الأبواب في وجهه من لدن باقي التشكيلات السياسية الرافضة لنهجه، بل يُنظر إليه شعبياً كـ “عقاب مستحق” لكل من استصغر نبض الشارع أو تعامل مع الشأن العام بمنطق الوصاية والاحتکار. فالغطرسة السياسية والثقة الزائدة في دوام النفوذ عادة ما تصطدم بصخرة الوعي المجتمعي ورفض الشركاء، وهو ما تجسد بوضوح في هذا السقوط المدوي من بروج التدبير إلى رصيف المعارضة أو الغياب.

​لا شك أن هذا المخاض يترجم إفرازات الاستحقاق الانتخابي الأخير وموازين القوة الجديدة التي أطاحت ببعض البديهيات السياسية، وتكرست عبر جدار الرفض الحزبي المشترك. وبالنسبة لحزب راكم هذا الكم الهائل من التجارب الوزارية، فإن فقدان موقع القرار الحكومي يحمل قراءات متضاربة:

​وتفقد القيادة الحالية أوراق الضغط المباشر في تدبير الشأن اليومي، مما قد يفتح الباب أمام تساؤلات حارقة حول النجاعة الاستراتيجية والتدبير الميداني للمرحلة السابقة.

يجد الحزب نفسه مضطراً لارتداء عباءة المعارضة البرلمانية والمؤسساتية — وسط مشهد حزبي التفّ ضده — وهو دور يتطلب أدوات خطابية وميدانية مختلفة تماماً عن ثقافة “التدبير من داخل الحكومة”.

قد تكون هذه الاستراحة الإجبارية فرصة ذهبية لترتيب البيت الداخلي، وضخ دماء جديدة، وإعادة وصل ما قطعته انشغالات السلطة عن القواعد الشعبية.

​هكذا علّمت السياسة أقطاب الأحرار أن الكراسي زائلة، وأن الغرور بالاستحواذ لا يغير من حقيقة أن السيادة الحقيقية تظل للمواطن وحده حين يقرر متى يعاقب بالاستبعاد، وتتكامل مع إرادة سياسية جماعية للأحزاب في رفض الهيمنة. لتتلاقى صدمة الغياب عن وزارات طالما عُدّت إرثاً تنظيمياً، مع تحدي بناء معارضة قوية ومؤثرة في مشهد سياسي متحول.

لقد شُكلت الحكومة وتم إبعاد حزب التجمع الوطني للأحرار، ليطرح السؤال الأبرز نفسه بقوة: هل ينجح الحزب في استنبات خطابات بديلة ومصالحة قاعدته الشعبية من خندق المعارضة، أم أن أبعاد هذا الزلزال السياسي ستفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة من التصدع وإعادة تشكيل خارطة التحالفات الحزبية برمتها في المغرب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى