أزمور …لا يصح إلا الصحيح

في زمن أصبحت فيه بعض مواقع التواصل الإجتماعي أشبه بسوق أسبوعي تعرض فيه الإتهامات بالتقسيط ، وتوزع الإشاعات بالمجان، صار من المثير للسخرية أن ترى بعض الأشخاص وقد أكتشفوا فجأة أنهم يمتلكون موهبة عجيبة في إدارة المعارك التي لا تخصهم ، وخوض حروب بالوكالة ، وتوزيع الأحكام على الناس وكأنهم محكمة إستئناف متنقلة !.
المثير في الحكاية أن بعض هؤلاء لا يملكون شجاعة مواجهة من يختلفون معه وجها لوجه ، فيبحثون عن الطريق الأسهل ، تدوينة هنا ، تلميح هناك ، حساب يصرخ ، وآخر يسب ، وثالث يتقمص دور “المحلل الاستراتيجي” ليشرح للناس ما لا يعرفه هو نفسه !
إنها، ببساطة ، حرب بالوكالة… ولكن بأسلحة من نوع خاص ، منشور مجهول، إتهام مجاني ، إشاعة بلا مصدر، و”قالوا لي” التي أصبحت عند البعض مصدرا رسميا للمعلومات !
والأجمل من ذلك كله أن صاحب الحملة يكون مقتنعا بأنه أمام عملية سياسية أو إعلامية كبرى، بينما الحقيقة أنه يدير أحيانا مسرحية صغيرة جدا ، والجمهور فيها محدود ، والمخرج مرتبك ، والسيناريو مستعمل منذ سنوات !
لماذا كل هذا العناء ؟
لأن بعض الناس، عندما يدركون أنك تعرف حقيقتهم أكثر مما يحبون، يشعرون بالخطر. وعندما يعجزون عن تغيير الواقع، يحاولون تغيير صورتك أمام الآخرين.
فبدلا من الإجابة عن الأسئلة، تبدأ عملية التشويه.
وبدلا من تقديم الحجة ، ترفع نبرة الشتيمة .
وبدلا من مناقشة الأفكار ، يتم إستدعاء الجوقة .
وهنا تظهر إحدى أعجب الظواهر في زمن التواصل الإجتماعي ، شخص واحد يحمل خصومة ، لكنه يبحث عن عشرات الأشخاص ليقوموا بحملها نيابة عنه !
وكأننا أمام شركة متخصصة في “التشهير بالتقسيط”، لها قسم للمنشورات ، وقسم للتعليقات ، وقسم لإعادة التدوير ، وربما قسم آخر مهمته التأكد من أن الإشاعة وصلت إلى أكبر عدد ممكن قبل أن يسأل أحد: “ولكن أين الدليل؟”.
غير أن المشكلة في هذه الحسابات أن الزمن لا يجامل أحدا.
فما يمكن إخفاؤه اليوم بمنشور صاخب، قد يظهر غدا في وثيقة أو موقف أو شهادة أو واقعة . وما يمكن تغطيته بالضجيج لفترة ، سرعان ما ينكشف عندما تهدأ العاصفة.
ولهذا، فإن أفضل رد على حملات التشويه ليس دائما الدخول في معاركها، ولا النزول إلى مستواها، ولا الرد على كل كلمة وكل تعليق.
أحيانا يكون الصمت أكثر إزعاجا لمن ينتظر منك الإنفعال.
وأحيانا تكون الحقيقة في حاجة فقط إلى شيء واحد: الوقت.
فالزمن لديه عادة سيئة بالنسبة لأهل الإشاعة… أنه لا يعرف المجاملة !
يكشف من كان صادقا ، ومن كان يبيع الكلام ، ومن كان يختبئ خلف الآخرين، ومن كان يرفع شعارات الفضيلة بينما يمارس عكسها في الخفاء.
وفي النهاية ، قد يستطيع الإنسان أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت ، وقد يستطيع أن يرفع الضجيج حول شخص بريئ لكنه لن يستطيع إلى الأبد أن يغير الحقيقة .
لذلك، لمن أختار طريق التشويه والإتهام المجاني نقول ، أستمروا في الكتابة إن شئتم ، وزيدوا من عدد المنشورات والتعليقات ، وحشدوا ما أستطعتم من الأصوات… فالحقيقة لا تحتاج إلى جيوش إلكترونية.
الحقيقة تحتاج فقط إلى أن تبقى حقيقة .
أما من أراد بك سوءا ، فلا تحمل قلبك فوق طاقته ، ولا تدخل في كل معركة ترمى أمامك.
أترك للزمن مهمة كشف ما عجزت الكلمات عن كشفه.
ففي النهاية، تسقط الأقنعة ، وتنتهي المسرحيات ، ويغادر الممثلون الخشبة…
ويبقى شيء واحد فقط:
لا يصح إلا الصحيح.





