24 ساعةالواجهةمجرد رأي

سبتة ومليلية مغربيتان.. والتاريخ لا يُمحى بزيارة ملكية

سبتة ومليلية مغربيتان.. والتاريخ لا يُمحى بزيارة ملكية

حين يتحول المبيت الملكي إلى رسالة سياسية، يعود ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، حاملاً معه ذاكرة تاريخية ممتدة، ومطلباً مغربياً لم تطوِه القرون، ولا تستطيع المراسم الرسمية أن تحسمه.

ليست الزيارات الملكية مجرد تحركات بروتوكولية عابرة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأرض ظلت عالقة في ذاكرة التاريخ، وحاضرة في وجدان الشعوب؛ لذلك، فإن أي زيارة ملكية إسبانية إلى سبتة، ولا سيما إذا اقترنت بالمبيت فيها للمرة الأولى منذ قرن، تتجاوز في دلالاتها حدود المجاملة الرسمية، لتفتح من جديد النقاش حول التاريخ والسيادة والذاكرة الوطنية.

إن المبيت في مدينة لا يمنح السيادة عليها، كما أن رفع الأعلام وإقامة المراسم الرسمية لا يكفيان، في حد ذاتهما، لمحو صفحات من التاريخ أو إسكات الأسئلة التي تطرحها قضية سبتة ومليلية في الوجدان المغربي، فالتاريخ لا يتغير بتغيير مكان الإقامة، ولا تُحسم القضايا الوطنية بمجرد صورة تذكارية أو خطاب احتفالي.

تعود جذور القضية إلى قرون خلت، فقد سيطرت البرتغال على سبتة سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني سنة 1580، ثم بقيت تحت الحكم الإسباني بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا سنة 1640، أما مليلية، فقد احتلتها القوات الإسبانية سنة 1497، ومنذ ذلك الحين، ظلت المدينتان حاضرتين في النقاش التاريخي والسياسي المغربي بشأن استكمال الوحدة الترابية.

إن استحضار هذه الوقائع ليس دعوة إلى العداء، ولا محاولة لإحياء خصومات الماضي من أجل الخصومة ذاتها، بل هو تأكيد على أن الذاكرة الوطنية لا تسقط بالتقادم، وأن طول المدة وحده لا يكفي لإنهاء نقاش سياسي وتاريخي ما زال قائماً.

فالشعوب لا تقيس علاقتها بأرضها بعدد السنوات التي مرت، بل بما تختزنه تلك الأرض من ذاكرة وهوية وروابط تاريخية وثقافية، ومن هذا المنطلق، يظل ملف سبتة ومليلية جزءاً من النقاش المغربي حول السيادة والوحدة الترابية، مهما اختلفت المواقف والتفسيرات القانونية والسياسية.

ليس من مصلحة المغرب ولا إسبانيا تحويل هذا الملف إلى مصدر دائم للتوتر، فالشعبان تجمعهما الجغرافيا، وروابط الجوار، والمصالح الاقتصادية، والتعاون في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والبحر، وهذه العلاقات تفرض على الطرفين قدراً أكبر من الحكمة والمسؤولية، لا سيما في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة.

لكن حسن الجوار لا يعني التخلي عن الذاكرة، والتعاون لا يقتضي الصمت عن القضايا الوطنية، فالمغاربة الذين يؤمنون بحقهم في الدفاع عن وحدتهم الترابية يستطيعون، في الوقت نفسه، احترام الشعب الإسباني والتمييز بين العلاقات الإنسانية والمصالح المشتركة من جهة، والخلافات السياسية والتاريخية من جهة أخرى.

إن الوطنية ليست كراهية للآخر، بل ارتباط بالأرض، ووعي بالتاريخ، وتمسك بالحقوق، مع الإيمان بأن الحوار يظل السبيل الأجدى لمعالجة القضايا العالقة.

إذا كان المبيت الملكي في سبتة يحمل رسائل رمزية وسياسية، فإن تلك الرسائل لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية للنقاش حول المدينة ومستقبلها، فالسيادة في العلاقات الدولية قضية معقدة، تتداخل فيها الوقائع التاريخية والأوضاع القانونية والمواقف السياسية، ولا يمكن اختزالها في زيارة أو مراسم رسمية.

ومن هنا، فإن الرد المغربي الأكثر قوة ليس في الانفعال أو الإساءة، بل في وضوح الموقف، وقوة الحجة، والتمسك بالذاكرة الوطنية، ومواصلة العمل الدبلوماسي والسياسي المسؤول.

فالمغرب، بتاريخ دولته العريق ومؤسساته الراسخة، ليس في حاجة إلى تحويل خلافاته مع جيرانه إلى معارك كلامية حتى يؤكد حضوره، كما أن الدفاع عن القضايا الوطنية لا يفقد قوته حين يُصاغ بلغة هادئة، بل يكتسب مصداقية أكبر حين يستند إلى الوقائع والحجج واحترام قواعد الحوار الدولي.

في الوجدان المغربي، ليست سبتة ومليلية مجرد نقطتين على الخريطة؛ إنهما جزء من ذاكرة تاريخية تتوارثها الأجيال، ومن نقاش وطني يتجدد كلما طُرحت مسألة الحدود والسيادة والانتماء.

وقد تتغير الأجيال، وتتبدل الحكومات، وتتطور العلاقات بين الرباط ومدريد، لكن الملفات التاريخية لا تختفي بمجرد تجاهلها، ولا تُحسم بمجرد التأكيد على واقع قائم، إنها تحتاج إلى رؤية سياسية بعيدة المدى، وإلى حوار جاد، وإلى إرادة قادرة على التوفيق بين مقتضيات الاستقرار واحترام حساسيات الشعوب.

إن المغرب وإسبانيا جاران تجمعهما مصالح لا يمكن تجاهلها، لكن الجوار الحقيقي لا يقوم على إلغاء ذاكرة الآخر، بل على الاعتراف بوجود خلافات تاريخية والعمل على إدارتها بحكمة ومسؤولية.

إن المبيت في سبتة، مهما كانت رمزيته، لا يستطيع وحده أن يطوي صفحة تاريخية أو ينهي نقاشاً سياسياً ممتداً، فالأرض ليست مجرد مكان للإقامة، والتاريخ ليس صورة تذكارية، والسيادة ليست شعاراً يُرفع في مناسبة رسمية.

ومن حق المغاربة أن يعبّروا عن تشبثهم بوحدتهم الترابية وذاكرتهم الوطنية، كما أن من واجب الجميع تجنب خطاب الكراهية والتصعيد، حفاظاً على علاقات الجوار ومصالح الشعبين.

ستظل سبتة ومليلية حاضرتين في الوعي الوطني المغربي، وستظل قضيتهما موضوعاً للنقاش التاريخي والسياسي والدبلوماسي، ما دامت أسباب هذا النقاش قائمة.

فالتاريخ لا يُمحى بزيارة، والذاكرة لا تُلغى بمراسم، والقضايا العالقة لا تجد طريقها إلى الحل إلا بالحوار والحجة والإرادة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى