شباب الجديدة.. ثروة الوطن وفرص مؤجلة
من التوجيهات الملكية إلى واقع التشغيل والمشاركة في تدبير الشأن المحلي

بقلم: ياسين زوهيري
الشباب ليسوا مستقبل الجديدة فحسب؛ إنهم جزء أساسي من حاضرها،
وأية تنمية لا تضعهم في صلب أولوياتها تظل تنمية ناقصة في أهدافها وأثرها.
حين وصف جلالة الملك محمد السادس الشباب بأنهم «الثروة الحقيقية للبلاد»، لم يكن ذلك مجرد توصيف لفئة عمرية، بل تأكيداً على أن مستقبل التنمية الوطنية يرتبط بمدى قدرة المجتمع ومؤسساته على الاستثمار في طاقات الشباب، وتمكينهم من فرص العمل والمشاركة والإبداع.
غير أن هذه الثروة البشرية، بما تحمله من مؤهلات علمية وطاقات فكرية وإمكانات ابتكارية، تطرح اليوم سؤالاً جوهرياً على مستوى إقليم الجديدة: إلى أي حد تحولت هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية؟ وهل استطاع الشباب أن يجدوا مكانهم المستحق في سوق الشغل، وفي الحياة السياسية، وداخل الفضاءات الجمعوية والتنموية؟
لقد أكد الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، يوم 20 غشت 2018، ضرورة تمكين الشباب من الفرص والمؤهلات اللازمة لأداء أدوارهم، مشدداً على أن إدماجهم في الحياة الاجتماعية والمهنية حق للمواطن، وليس امتيازاً. كما سبق أن تناول خطاب 13 أكتوبر 2017، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، إشكالية البطالة والإقصاء، والحاجة إلى تحسين ملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل.
وبين هذه التوجيهات وما يعيشه الشباب في واقعهم اليومي، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الاحتفاء بقيمة الشباب في الخطاب إلى مساءلة النتائج المحققة على أرض الواقع، خصوصاً في المجالات التي تمس حياتهم ومستقبلهم مباشرة.
يمتلك إقليم الجديدة مؤهلات اقتصادية مهمة، من بينها المركب الصناعي بالجرف الأصفر، والمناطق الصناعية، والأنشطة التجارية والسياحية، فضلاً عن الرصيد الثقافي والمجالي الذي يمكن أن يشكل أرضية واعدة للمبادرات الاستثمارية والمشاريع المدرة للدخل. لكن وجود هذه المؤهلات لا يعني تلقائياً أن آثارها الإيجابية تصل إلى جميع الفئات الاجتماعية، أو أن الشباب يستفيدون منها بالقدر الذي يطمحون إليه.
فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بقدرتها على إحداث فرص شغل لائقة ومستدامة، وتوفير مسارات مهنية واضحة، وتمكين الشباب من تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، تبرز أسئلة مشروعة حول حجم فرص الشغل التي يستفيد منها أبناء الإقليم، ومدى ملاءمة التكوينات المتاحة لمتطلبات سوق العمل، وقدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الناشئة على استيعاب الكفاءات الشابة.
كما أن الحديث عن التشغيل ينبغي ألا يظل رهين وعود عامة أو أرقام مجمعة لا تكشف حقيقة الأثر المحلي. فالمطلوب هو توفير معطيات دقيقة حول فرص الشغل المحدثة، ونوعية العقود والاستقرار المهني، وعدد المستفيدين من برامج الإدماج والتكوين، ومدى استمرارهم في العمل بعد انتهاء فترة الدعم أو المواكبة.
إن الرهان ليس فقط على توفير أول فرصة للشغل، بل أيضاً على تمكين الشباب من بناء مسار مهني يحفظ كرامتهم، ويمنحهم الاستقلالية، ويجعلهم قادرين على المساهمة في الدورة الاقتصادية المحلية.
ولا تنحصر إشكالية إدماج الشباب في الجانب الاقتصادي وحده؛ فالمشاركة السياسية والمدنية تشكل بدورها مؤشراً أساسياً على مدى انفتاح المجال العام أمام الطاقات الجديدة. فالشباب ليسوا مجرد كتلة انتخابية يُعاد استحضارها مع اقتراب الاستحقاقات، ولا مجرد جمهور يُطلب منه التعبئة والتصويت، بل مواطنون لهم الحق في المساهمة في بلورة البرامج، وتقديم المقترحات، ومناقشة الأولويات، وتتبع تنفيذ الوعود والالتزامات.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري التساؤل عن موقع الشباب في تدبير الشأن المحلي بإقليم الجديدة: هل يحضرون فعلياً في إعداد البرامج التنموية للجماعات الترابية؟ وهل تتاح لهم فرص حقيقية للتعبير عن احتياجاتهم ومقترحاتهم بشأن التشغيل والثقافة والرياضة والنقل والفضاءات العمومية؟ وما مدى تأثير أفكارهم في القرارات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم؟
إن تجديد النخب السياسية لا يتحقق بمجرد استقطاب وجوه شابة أو منحها مواقع شكلية، وإنما بإشراكها في المسؤولية، وإتاحة المجال أمامها لاكتساب الخبرة، وتحمل الأدوار التدبيرية، والمساهمة في صنع القرار. كما أن تعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات يقتضي تجاوز منطق التواصل الموسمي نحو آليات دائمة للإنصات والتشاور والتفاعل مع المطالب والمقترحات.
فالمشاركة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات المنظمة أو الشعارات المرفوعة، بل بمدى انعكاسها على القرارات والبرامج والنتائج. ولا ينبغي أن يتحول هذا النقاش إلى أحكام عامة على الأحزاب أو المنتخبين، بقدر ما يجب أن يشكل مناسبة لتقييم مستوى انفتاح المؤسسات على الطاقات الجديدة، ومدى قدرتها على تحويل المشاركة الشبابية من حضور عابر إلى مساهمة فعلية في تدبير الشأن العام.
ويشكل العمل الجمعوي إحدى القنوات الأساسية التي يمكن أن يكتسب الشباب من خلالها مهارات القيادة والتواصل والتدبير، وأن يطوروا مبادرات اجتماعية وثقافية وبيئية ورياضية وتنموية. غير أن فاعلية هذا المجال تظل مرتبطة بمدى توفر شروط الاشتغال، وإمكانية الولوج إلى الفضاءات والتكوين والموارد، ووجود علاقات مؤسساتية قائمة على التشاور وتكافؤ الفرص.
وفي إقليم الجديدة، يظل من المفيد فتح نقاش جاد حول موقع الجمعيات الشبابية في السياسات المحلية، وطبيعة الفرص المتاحة أمامها، ومدى إشراكها في تحديد الأولويات وتقييم البرامج التي تستهدف الفئات التي تمثلها. فهل تتوفر الجمعيات على فرص متكافئة لعرض مشاريعها؟ وهل تجد مقترحاتها طريقها إلى الجهات المعنية؟ وهل تُعامل باعتبارها شريكاً في التفكير والتخطيط والتقييم، أم يقتصر دورها، في بعض الحالات، على تنفيذ أنشطة متفرقة ومناسباتية؟
إن قوة العمل الجمعوي لا تُقاس بعدد الأنشطة والصور المنشورة، بل بقدرته على الاستجابة للحاجيات الحقيقية، وتطوير المبادرات، وتكوين الشباب، وبناء جسور التعاون بين المجتمع والمؤسسات. وفي المقابل، فإن الجمعيات نفسها مطالبة بتطوير أساليب عملها، وتعزيز الحكامة والشفافية، وتحسين قدراتها في إعداد المشاريع وتقييمها، والانتقال من منطق المطالبة بالدعم وحده إلى منطق المبادرة والاقتراح والترافع المبني على المعطيات.
فالشراكة الفعلية لا تُبنى بالتبعية أو بالمجاملات، وإنما بالوضوح والمسؤولية والاحترام المتبادل، وبقدرة كل طرف على أداء دوره في خدمة الصالح العام.
كما أن من حق الشباب أن يجدوا قنوات واضحة للتواصل مع المؤسسات المعنية، وأن يتلقوا أجوبة عملية عن مطالبهم، بعيداً عن الوعود التي لا تتبعها آليات للتنفيذ والتتبع. فالمطلوب ليس البحث عن جهة واحدة لتحميلها جميع الإشكالات، وإنما الانتقال إلى ثقافة تدبيرية تجعل النتائج قابلة للقياس، والمسؤوليات قابلة للتحديد، والالتزامات قابلة للمساءلة.
إن الرهان الحقيقي أمام إقليم الجديدة لا يتمثل في إثبات أن شبابه يمتلكون الطاقات والمؤهلات؛ فهذه حقيقة تؤكدها تطلعاتهم ومبادراتهم وقدرتهم على التعلم والإبداع. الرهان الفعلي هو توفير البيئة التي تسمح لهذه الطاقات بالتحول إلى فرص عمل، ومشاريع مستقلة، ومشاركة سياسية مسؤولة، ومبادرات جمعوية مؤثرة.
وحين يُنظر إلى الشباب باعتبارهم ثروة الوطن، فإن الاستثمار فيهم يجب أن يتجاوز حدود الخطاب إلى سياسات عملية، تتسم بالاستمرارية والإنصاف والنجاعة. كما أن تمكينهم لا يعني فقط تقديم البرامج لفائدتهم، بل إشراكهم في تصميم هذه البرامج وتحديد أولوياتها وتقييم نتائجها.
إن الجديدة، بما تتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وثقافية وجمعوية، قادرة على جعل الشباب رافعة حقيقية للتنمية المحلية، شرط أن تتحول هذه الإمكانات إلى فرص ملموسة، وأن تقوم العلاقة بين المؤسسات والشباب على الثقة والحوار وتكافؤ الفرص.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح على مختلف المؤسسات والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والجمعويين بالإقليم: ما الإجراءات العملية، والالتزامات المحددة، والآجال الواضحة التي يمكن تقديمها اليوم لإثبات أن شباب الجديدة أصبحوا شركاء فعليين في التنمية وصناعة القرار، لا مجرد عنوان يتكرر في البرامج والخطابات؟
فالإجابة عن هذا السؤال لن تكون بالشعارات، وإنما بالأرقام الدقيقة، والبرامج القابلة للتقييم، والفرص المتكافئة، والنتائج التي يلمسها الشباب في حياتهم اليومية.




