طنجة.. حين تُكسر الكاميرا أمام وهج الحريق
بقلم الصحفي خطوط النواصر

في مشهد يحمل أكثر من دلالة تحولت تغطية حريق المنطقة الصناعية بالشرافات، بضواحي طنجة من مهمة صحفية لنقل صورة الحدث إلى واقعة تستوجب بدورها الوقوف عند تفاصيلها بعدما تعرض مصور المكتب الجهوي للقناة الثانية بطنجة، وفق المعطيات المتداولة والمنشورة إعلامياً لتدخل أثناء قيامه بواجبه المهني، انتهى إلى تكسير كاميرا التصوير.
فبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم أجزاء من إحدى الوحدات الصناعية وكانت مصالح الوقاية المدنية والسلطات المختصة تباشر عمليات التدخل والتطويق، كان المصور الصحفي حاضراً بعين الكاميرا، يؤدي مهمته في توثيق حدث صناعي استأثر باهتمام الرأي العام.
غير أن العدسة التي جاءت لتوثق الحريق أصبحت، هي الأخرى، جزءاً من الواقعة.
وتكمن خطورة الحادث، إذا ما ثبتت تفاصيله، في أن الأمر لم يعد متعلقاً بمجرد خلاف عابر حول مكان التصوير، وإنما بواقعة انتهت إلى إتلاف وسيلة مهنية يستعملها صحفي في أداء مهمته.
لا أحد يجادل في ضرورة تأمين مواقع الحرائق والحوادث، ولا في حق المصالح المكلفة بالتدخل في تنظيم محيط الخطر وإبعاد المواطنين والصحفيين وكل من يمكن أن تعرضه النيران أو الدخان أو انهيار المنشآت للخطر..
لكن حماية موقع الحادث شيء، وتحويل عملية التأمين إلى مواجهة مع الصحفيين شيء آخر.
ومن هنا تبرز الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها بالصمت: هل كان تدخل الأشخاص الذين منعوا المصور مرتبطاً حصراً بإجراءات السلامة؟ وهل تجاوز الأمر حدود التنظيم إلى منع العمل الصحفي؟ ومن المسؤول عن تكسير الكاميرا؟
أسئلة مشروعة لا تستهدف طرفاً بعينه، وإنما تبحث عن الحقيقة.
تداولت مصادر إعلامية معطيات تنسب التدخل إلى حراس أمن خاص، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مسؤولين أو أشخاص تابعين للشركة الموجودة بالموقع.
وهذا الاختلاف تحديداً يجعل فتح بحث دقيق أمراً ضرورياً.
فالحديث عن حراس أمن خاص يقتضي تحديد الشركة التي تشغلهم، ومعرفة طبيعة مهمتهم ومن أصدر التعليمات لهم، وما إذا كان تدخلهم يدخل ضمن حدود مهامهم أم تجاوزها.
أما إذا تبين أن المتدخلين ليسوا من أفراد الأمن الخاص، فإن الأمر يستوجب أيضاً تحديد هويتهم وصفاتهم والجهة التي يمثلونها.
وفي جميع الحالات، تبقى الكلمة الفصل للأبحاث والأدلة.
كاميرات المراقبة.. شاهد صامت
في زمن أصبحت فيه أغلب المنشآت الصناعية مجهزة بأنظمة للمراقبة، فإن تسجيلات الكاميرات قد تحمل جواباً حاسماً عن كثير من الأسئلة.
فهي قادرة، إن كانت متوفرة ومحفوظة، على تحديد الأشخاص الذين اقتربوا من المصور، ورصد طبيعة المواجهة، وتوثيق اللحظة التي تعرضت فيها الكاميرا للتكسير.
كما يمكن أن تكشف ما إذا كان مسؤولون أو مستخدمون آخرون موجودين في المكان أثناء الواقعة.
ولهذا فإن الحفاظ على التسجيلات، في حال وجودها، قد يشكل عنصراً أساسياً في أي بحث يروم الوصول إلى الحقيقة.
بالنسبة إلى الصحفي المصور، الكاميرا ليست قطعة من المعدات يمكن اختزال قيمتها في ثمنها المادي.
إنها أداة مهنية تحمل ذاكرة الحدث ومن خلالها تصل صورة الحريق إلى المواطن، وتتحول اللحظة العابرة إلى وثيقة يمكن الرجوع إليها.
وعندما تتعرض هذه الأداة للتكسير أثناء أداء صاحبها لمهمته، فإن السؤال يصبح أكبر من قيمة الجهاز: ماذا عن المادة التي كان يوثقها؟ وماذا عن حق الجمهور في معرفة ما جرى؟
إن الصحافة المهنية لا تأتي إلى مواقع الحوادث لمنافسة السلطات أو التشويش على عمليات الإنقاذ.
والسلطات، في المقابل، لا يفترض أن تنظر إلى الصحفي باعتباره خصماً وكل طرف له دوره.
- رجال الوقاية المدنية يواجهون النيران.
- الأمن والسلطات يؤمنون المكان وينظمون حركة الأشخاص.
- والصحفي يوثق وينقل الصورة إلى الرأي العام.
وعندما يؤدي كل طرف مهمته في إطار القانون والاحترام المتبادل، تصبح التغطية الإعلامية جزءاً من المشهد الطبيعي لإدارة الأزمات، لا سبباً في خلق أزمة جديدة.
إن ما حدث في الشرافات يستحق أن يُبحث فيه بعيداً عن المزايدات.
إذا كان المصور قد مُنع فقط من الاقتراب من منطقة خطرة، فذلك أمر يمكن تفسيره في إطار إجراءات السلامة.
أما إذا ثبت أن معدات التصوير تعرضت للتكسير عمداً، فإن المسؤولية ينبغي أن تحددها الجهات المختصة وفق القانون.
وإذا ثبت أن المتدخلين كانوا حراس أمن خاص، فينبغي أن تعرف الجهة المشغلة بهم وبظروف تدخلهم.
أما إذا كشفت التحقيقات خلاف ذلك، فيجب أيضاً نشر الحقيقة كما هي.
أسئلة الشرافات
- من كسر كاميرا مصور القناة الثانية؟
- هل كان منع التصوير بأمر من جهة محددة؟
- من هم الأشخاص الذين تدخلوا؟
- هل كانوا حراس أمن خاص؟
- ما اسم الشركة التي يعملون لفائدتها؟
- هل توجد تسجيلات لكاميرات المراقبة؟
- هل تم تحرير محضر بشأن الواقعة؟
- وهل تم فتح بحث رسمي لتحديد المسؤوليات؟
هذه ليست أسئلة للضجيج الإعلامي، وإنما أسئلة مهنية تفرضها طبيعة الواقعة.
انطفأت النيران، وعادت فرق التدخل إلى مهامها، لكن صورة الكاميرا المكسورة ستظل حاضرة في هذه الواقعة باعتبارها سؤالاً مفتوحاً حول العلاقة بين الصحافة ومحيط الحوادث.
وفي مغرب المؤسسات والقانون، لا ينبغي أن تكون الإجابة عبر الاتهامات المتبادلة، وإنما عبر التحقيق، والاستماع إلى الأطراف، وفحص الأدلة، وتحديد المسؤوليات.
فالصحفي ليس فوق القانون، وحارس الأمن ليس فوق القانون، والمسؤول داخل الشركة ليس فوق القانون.
ومن الشرافات، حيث كانت العدسات تلاحق ألسنة اللهب، يظل السؤال قائماً:
- من كسر الكاميرا؟ ولماذا؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا أثبت التحقيق أن ما وقع كان اعتداءً على صحفي أثناء أداء واجبه؟
أسئلة تنتظر جواباً واضحاً، لأن الحقيقة، في النهاية، لا تحتاج إلى حماية بالكلمات، وإنما إلى كشفها بالأدلة.





