ليست مجرد كرة قدم.. صورة تلخص تجربة المغاربة في هولندا جيلاً بعد جيل
ليست مجرد كرة قدم.. صورة تلخص تجربة المغاربة في هولندا جيلاً بعد جيل

في كل مرة يلتقي فيها المنتخبان المغربي والهولندي على أرضية الملعب، يعود النقاش ذاته إلى الواجهة: لماذا يشجع عدد كبير من الهولنديين من أصول مغربية المنتخب المغربي رغم أنهم ولدوا ونشأوا في هولندا؟
بالنسبة لمن ينظر إلى الأمر من زاوية رياضية بحتة، قد يبدو المشهد غريبًا أو حتى متناقضًا، لكن بالنسبة لأجيال كاملة من المغاربة الذين ولدوا وكبروا في هولندا، فإن القضية تتجاوز نتائج المباريات وألوان القمصان، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية.
فمنذ وصول موجات الهجرة المغربية إلى هولندا خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، خاضت الجالية المغربية مسارًا طويلًا من أجل إثبات وجودها داخل المجتمع الهولندي، وعلى امتداد عقود، واجهت هذه الأجيال تحديات متعددة مرتبطة بالاندماج والصورة النمطية والنقاشات السياسية حول الهجرة والهوية، خاصة مع صعود تيارات اليمين المتطرف في مراحل مختلفة من الحياة السياسية الهولندية.
وسط هذه التحولات، تشكل وعي أجيال كاملة على فكرة بسيطة لكنها عميقة: يمكن للإنسان أن يكون جزءًا من المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يساهم في بنائه، دون أن يتخلى عن جذوره الثقافية أو ذاكرته العائلية، ولذلك، فإن تشجيع المنتخب المغربي بالنسبة لكثير من أبناء الجالية لا يُفهم باعتباره رفضًا لهولندا أو إنكارًا للانتماء إليها، بل تعبيرًا عن ارتباط وجداني وثقافي ببلد الآباء والأجداد.
وخلال وجودي في هولندا بالتزامن مع منافسات كأس العالم، دار بيني وبين إحدى السيدات المغربيات المقيمات في البلاد منذ ما يقارب سبعة وخمسين عامًا حديث يعكس جانبًا من هذه التجربة، وبينما كنا نتابع مباراة المغرب وهولندا، تحدثت عن سنوات طويلة عاشتها في المجتمع الهولندي، وعن ذكريات وتجارب تركت أثرًا عميقًا في نظرتها إلى بعض الفئات داخل المجتمع.
ومهما اختلفت الآراء حول تلك التجارب أو طريقة التعبير عنها، فإنها تظل شهادة على مسار إنساني طويل عاشته أجيال من المهاجرين وأبنائهم، بكل ما حمله من نجاحات وصعوبات وتحديات، كما أنها تذكرنا بأن فهم مواقف الناس اليوم يتطلب العودة إلى السياقات التاريخية والاجتماعية التي شكلتها، لا الاكتفاء بإطلاق الأحكام السريعة.
إن الحديث عن المغاربة في هولندا لا يمكن اختزاله في مباراة لكرة القدم، كما لا يمكن فهم خياراتهم وهوياتهم المركبة بعيدًا عن تاريخ امتد لعقود من التفاعل بين ثقافتين ومجتمعين. ولهذا السبب، فإن مشهد رفع الأعلام المغربية في المدن الهولندية خلال البطولات الكبرى لا يعبر فقط عن فرحة رياضية عابرة، بل يروي أيضًا قصة أجيال نجحت في الحفاظ على جذورها، وهي تشق طريقها داخل مجتمع جديد.
وفي النهاية، تبقى كرة القدم مجرد مناسبة تكشف ما هو أعمق من الرياضة نفسها: الحاجة الإنسانية الدائمة إلى الانتماء، وإلى التوفيق بين الهوية الأصلية والهوية المكتسبة، دون الشعور بأن على الإنسان أن يختار واحدة منهما على حساب الأخرى.






