
الدكتور مصطفى قرطاج
يؤثر هذا الدعاء عن عمر بن الخطاب أو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ومهما يكن، فإنه دعاء يعكس شكوى من صنفين من الناس يوجدان في المجتمع، ويشكلان غالبيته، يجتمعان على المصلح فيقوضان جهوده في الإصلاح؛ أحدهما بفجوره وجَلَدِهِ على نشره في المجتمع، والثاني بعجزه، وهو عجز مكتسب ناتج عن سوء فهم للدين وسوء تدين، يقتصر فيه صاحبه على صلاحه الفردي، بينما يخلي الساحة للفجار لينشروا فيها فجورهم.
الاستعاذة لا تكون إلا من مكروه أو شر، وإذا كان المكروه والشر ظاهرين في جلد الفاجر، فإنهما قد لا يظهران في عجز الثقة، بل نحسب ان الثقة لا يكون إلا مصدر خير وصلاح، وهنا يظهر فضل هذا الدعاء، إذ يبين أن الثقة قد يكون سببا في الشر والمكروه إذا كان عاجزا عن دعم الإصلاح أو عاجزا عن مواجهة الفساد والمنكر.
تذكرت هذا الدعاء حين أعلن أحمد الشرعي بكل وضوح دعمه لحزب الأصالة والمعاصرة ولفاطمة المنصوري لتكون رئيسة الحكومة المقبلة، معتبرا أن هذا الاختيار هو خيار الحداثة.
أحمد الشرعي ليس مواطنا مغربيا عاديا يتمتع بحقه الدستوري في التصويت والانتماء الحزبي ودعم أي جهة سياسية وأي مشروع سياسي. بل هو عضو في منظمة JISS الصهيونية، وبلغ به الفجور في التصهين حد كتابة مقال تحت عنوان: “كلنا إسرائيليون”، لم يكتبه ليعلن دعمه لمسار التطبيع المخزي مع الكيان الصهيوني، بل ليعلن دعمه للحكومة الصهيونية بقيادة نتنياهو في حربها ضد الفلسطينيين في غزة، وقتلهم وتهجيرهم، ومعاملتهم مثل الحيوانات، ولم يكتف بكل هذا، بل إنه انتقد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية القاضي باعتقال نتنياهو ووزير دفاعه،
وبقدر ما تجمل عبارة “كلنا إسرائيليون” من دعم مطلق للإجرام الصهيوني، بقدر ما تشكل سبة لجميع المغاربة، وشتيمة لتاريخهم وصلتهم بفلسطين و بالمسجد
الأقصى، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. .
لم يستح الشرعي من تصهينه وهو يخاطب المغاربة ويوجههم نحو خيار سياسي معين، وسيسخر في سبيل ذلك المنابر الإعلامية المرتبطة به، و تشمل:
L’Observateur du Maroc et d’Afrique —
L’Observateur,
Atlantic Radio
H24Info
Maroc Diplomatique
Med radio
بينما الكثير من الثٌِقاتِ الثُّقَاةِ، قاعدون في بيوتهم، ألجموا ألسنتهم وأقلامهم عن بيان موقفهم من المشاركة في الانتخابات ودعم من يرونه أقرب إلى الصلاح، ينتظرون أن ينزل الله تعالى ملائكة يدفعون عنهم الفساد ويوفرون لهم الشروط الكاملة للديمقراطية المثالية.
ولا ينبغي أن نغفل عن قضية هامة جدا، وهي أن عجز الثقات هذا تتم صناعته من خلال صناعة نموذج في التدين وأسلوب في الخطاب الديني يكرس الهروب من مواجهة الفساد بدعوى الزهد في السلطة والكراسي، وبأن الدعاة والعلماء ينبغي أن يبقوا على الحياد، وهو حياد يؤول في النهاية إلى مناصرة الفساد والمفسدين، وهكذا نفهم بعض معاني قول الله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون وقوله تعالى ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، صدق الله العظيم.






