عندما ياتي الاحتفالي لا ياتي وحده

بقلم: عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
في الاحتفالية لا يهم من يكون الذي قد ياتي إلينا، اليوم او غدا او في يوم من الأيام، ويبقى ان الأهم عند الاحتفالي، المفكر والفنان، هو ان يطرح على نفسه السؤال التالي:
ــ ما الذي يمكن ان ياتي به من ياتي إلينا؟
ولا يهم بعد ذلك اسمه ولا رسمه، ولا دينه ولا لغته، ولا يهم الجهة التي ياتي منها، هل من الشرق ام من الغرب؟ وهل من الشمال أم من الجنوب؟ وهل من كوكب الأرض ام من الكواكب الأخرى المعلومة او المجهولة، وبذلك فقد كان من حق هذاالاحتفالي ان يقول ما يلي :
ــ ان كل من ياتي إلينا، وهو يحمل معه الخبر الجميل فهو بالتاكيد جميل
ــ وأن كل من ياتي الينا، ومعه الشيء القبيح، فهو بالضرورة قبيح، وإذا كان من ننتظره لا يمكن ان ياتينا بالجديد ولا بالمفيد، فلماذا ننتظره؟
في الخمسينات من القرن الماضي طرح العالم في المسرح سؤال (ياتي او لا ياتي المستر غودو؟) من غير ان يطرح سؤال الجدوى من مجيئه ولا سؤال ما معنى ان ياتي او لا ياتي هذا الغودو المنتظر؟ وما الذي يمكن ان يتغير في حياتنا، اذا هو اتى، او اذا هو لم يات؟
وهل يمكن ان يكون هذا العالم مع مجيئه اقل قبحا؟
وهل يمكن ان يكون اكثر جمالا؟
وما معنى ان ننتظر غودو، او ان ننتظر المهدي المنتظر، او ان ننتظر عودة المسيح، اذا كنا نحن لا نعرف بالتحديد ماذا نريد، ولا ماذا ننتظر؟
يقول الاحتفاليون نحن في هذه الحياة لا ننتظر شيئا سوى ان نحيا الحياة بكل تاكيد، وان نعيش مع الإنسان في المدينة المتمدنة، وليس مع الوحش في الغاب، وان نفرح مع الفرحين، وان نضحك مع الضاحكين، وان نحلم مع الحالمين، وان نعيش الحرية مع الأحرار، وان نكون مواطنين في الأوطان الحقيقية
وعندما جاء الاحتفالي، في اواسط السبعينات من القرن الماضي، لم يقل بانه جاء ومعه العلم كله، ومعه الفكر كله، ومعه الفن كله، ولقد أكد في كل كتاباته وبين في كل بياناته ان ما أتى به للناس كان من قبل عند الناس، وانه كان جزء من ثقافة الناس ومن لغة الناس ومن اداب واخلاق الناس، ولم يقل ابدا (انا هو غودو، المنتظر في الفكر والعلم والفن والسياسة)
و أبدا من جديد فاتحة هذا الكلام الجديد، في هذه الكتابة الجديدة، بما جاء في اغنية قديمة لأم كلثوم تقول فيها :
(ما لي فتنت بلحظك الفتاك
وسلوت كل مليحة إلاك
فاذا وصلت فكل شيء باسم
واذا هجرت فكل شيء باك)
إن الذي يضحكنا هو نفسه الذي يبكينا، نعم، هو نفسه وليس اي احد غيره، وذلك من خلال موقفين اثنين مختلفين، هما الوصل ومعه البهجة والفرح وهو الصد و الهجران ومعه الحزن والبكاء، ولو جاء غودو لتغير التاريخ، ولكان ( كل شيء باسم) و ضاحك، وبالنسبة للاحتفالي، فإنه مع ذلك المثل المغربي الشعبي الذي يقول:
(مرحبا باللي جا وجاب) اي مرحبا بالذي اتى ومعه شيء ينفع البلاد والعباد، والذي يمكن يفرحهم وان يسعدهم، وهل جاءت هذه الاحتفالية إلا من اجل تفرح الناس، وان تسعدهم، بالفكر السعيد و بالعلم السعيد و بالإبداع الجمالي السعيد؟
وبالنسبة للاحتفالي فإن الريح التي تهب علينا في مختلف الساعات والأوقات هي نفس الريح دائما، اذا هبت من الغرب كانت غربية، وكانت بذلك ريحا طيبة، اما إذا هبت من الشرق فهي ريح شرقية مؤذية، للإنسان و الزرع ايضا، وفي هذا المعنى يقول الحكيم الشعبي سيدي عبد الرحمن المجذوب :
(كل ما يجي من الشرق مليح
إلا ابنادم والريح)
والاحتفالي لا يهمه من اية جهة تاتي الرپح، ولكن بماذا يمكن ان تاتي هذه الريح؟ بما يفيد الانسان وبما ينفع الحياة والأحياء ان بما يضر ولا ينفع؟
الاحتفالية تطلب الجمال، وإذا جاءها من الشرق قالت له اهلا وسهلا، واذا جاءها من الغرب رحبت به، وهذا هو ( السر) في ان هذه الاحتفالية الجميلة ظلت جميلة على الدوام
من الحفل والاحتفال إلى العيد والتعييد:
في بيانات كازبلانكا للاحتفالية المتجددة) يقول الاحتفالي:
( في البدء، كان الاحتفاليون يتحدثون عن الحفل والاحتفال، ثم من بعد ظهر مصطلح جديد هو مصطلح التعييد، من غير أن يتخلوا عن المصطلح الأساس، والذي هو الاحتفالية، ولقد ارتبط هذا التطور في البداية بظهور كتاب عنوانه ( فلسفة التعييد الاحتفالي) وفيه محاولة جادة وصادق للارتقاء بالاحتفالية إلى درجة الفلسفة
يقول الشاعر والمفكر صلاح بوسريف في ركنه الصحفي بجريدة ( المساء ) المغربية، بخصوص معنى الاحتفال ومعنى روح الاحتفال ما يلي:
( جميل أن نحتفل، ونبني حياتنا على الحفل والاحتفال، الاحتفال ابتهاج، وهو تعييد بتعبير الصديق عبد الكريم برشيد الذي ما فتئ في بياناته المسرحية يؤكد على هذا المعنى الاحتفالي، لكن، متى نحتفل وكيف وفي أي ظرف أو سياق، أو في أي مجال من المجالات والظروف الاجتماعية والثقافية التي يمكن أن تسمح لنا بالاحتفال؟)
الأخطر إذن، من سؤال معنى الاحتفال، الأسئلة الأخرى، الخفية والمضمرة فيها، والتي تكمل معنى حقيقة فعل الاحتفال، ومن هذه الأسئلة بالتأكيد ما أتى به الشاعر صلاح بوسريف، ويمكن أن نلاحظ أن النقد المسرحي، المغربي والعربي، قد وقف فقط عند معنى الاحتفال، ومعناه المعجمي تحديدا، ولم يتجاوزه إلى المعنى الاصطلاحي، واكتفى بأن يعرف مظاهر الاحتفال الطقوسية الظاهرة، من غير أن يبحث في فلسفته، وفي سيكولوجيته، ومن غير أن يسأل: من الذي من حقه أن يحتفل؟ المنتصر وحده فقط، أم كل الناس الأحياء في الحياة؟
نعم، هو جميل أن نحتفل، وضروري بكل تأكيد أن نحتفل، وأن نعبر عن وجودنا وعن حياتنا وعن حيويتنا وعن هويتنا الثقافية بالاحتفال، وفعل هذا الاحتفال ـ في معناه الحقيقي ـ هو فرض عين، على كل إنسان حي، لأن الموتى فقط هم الذين لا يحتفلون، ولا يعيدون، فبالاحتفال وحده إذن ، ويكون من حق الإنسان المفكر أن يقول: أنا موجود أولا، ويقول أنا حي ثانيا، ويقول أنا مختلف ثالثا، ويقول أنا سعيد ومبتهج رابعا، ويقول أنا منتصر في معركة الوجود وفي معركة الحياة خامسا، ويقول أنا إنسان جديد ومتجدد في عالم لا يتوقف عن التجدد سادسا)
إن الاحتفال ـ في معناه الحقيقي ـ هو فعل ثقافي، والإنسان أساسا هو كائن اجتماعي ثقافي، وبحسب صلاح بوسريف دائما فإن ( الثقافة في جوهرها احتفال، ولكنه احتفال بمعنى البهجة والسرور، متى استطعنا أن نجعل من الثقافة شأنا عاما يعني الجميع، أو يعني شرائح واسعة وكبيرة من المجتمع، خصوصا الشبان، من يكونون انخرطوا في الشأن الثقافي باعتبارهم قراء وجمهور سينما ومسرح ومعارض تشكيلية، ومحاضرات وندوات وموسيقى ، ومهرجانات، ومعارض الكتاب، يقبلون على المكتبات العامة والخاصة، ويشاركون في الجمعيات وفي المؤسسات الثقافية والفنية، وفي كل ما يتعلق بالموسيقى في معناها الراقي الذي هو تهذيب وتثقيف للإحساس والذوق وتربية على الجمال )
صراع الاحتفالي ضد من ؟
تتعدد الأسئلة وتتنوع في البحث عن معنى وجود هذا المسرح، سواء في حياة الأفراد أو في حياة الجماعات أو في حياة المجتمعات، وهذا سؤال آخر، لابد منه، ويمكن أن نصوغه على الشكل التالي :
إذا كان الصراع هو روح وجوهر الفعل المسرحي، وكان من مهام المسرحيين أن يدخلوا في صراع مع الدولة، او مع نظام هذه الدولة او تلك، فإن ذلك يسوقنا إلى التساؤلات التالية:
ولحساب من يخوضون هذا الصراع، والذي لا يمكن أن يكون إلا صراعا عبثيا وبلا معنى؟
و لحساب أية جهة؟ ولماذا يطلب من المسرحي، والذي هو اساسا مناضل وجودي، أن يكون منحازا سياسيا بدل أن يكون منحازا فكريا وعلميا ووجدانيا وأخلاقيا وروحيا؟
فالمطلوب من هذا المسرحي العربي اليوم، هو أن يكون شاهدا على عصره، وأن يكون أمينا وصادقا في شهادته وفي رسالته، وأن يكون موقعه في كل الجهات، وليس في جهة واحدة فقط، أي ليس في أقصى اليمين ولا في أقصى اليسار، ولكن في الأمام وفي الأعلى دائما، وذلك حتى يمكن أن يرى أحسن، وحتى لا يخدعه موقع الرؤية، وحتى لا تخدعه زاوية النظر، وعليه أن يكون مع كل الجهات، وأن يعطي الكلمة لكل الأصوات بالتساوي، وذلك حتى لا يكون فنانا فئويا أو طبقيا أو شعوبيا أو ( قومجيا) أو مستبدا، إن المسرح مدرسة الديمقراطية، والمسرحي هو حريته، وهو قدرته في ان يكون مع الحق ومع الحقيقة، وان ينتصر للقيم الرمزية الجميلة والنبيلة وليس للأشخاص او الجهات التي قد تدعي امتلاك الشرعية، وتدعي احتكار الحق والحقيقة
مسرح ياتي بكل شيء ومسرح لا ياتي بأي شيء:
وهذا المسرح العربي اليوم يعالج أيضا، وهذه مهمة واحدة من مهامه الكثيرة والمتنوعة، وهكذا يقول الفاعلون المسرحيون دائما، وهو يعالج لأن هذا المجتمع الإنساني مريض بأخطر مرض، والذي هو مرض الوجود في هذا الوجود، ومن مهام هذا المسرح أن يكشف عن أعراض هذا المرض، وقد يكون الانتظار العبثي من بين أعراضه المتعددة والمتنوعة، كما في مسرحية (انتظار غودو) لصمويل بيكيت، وقد يكون من أعراضه أيضا، الإحساس بالقلق والسأم والشعور باللامعنى وباللاجدوى والشعور بالغربة والتيه والضياع والمنفى، وذلك في حياة يومية سيزيفية تحتاج لأن نعطيها.. المعنى.
إن المسرح العربي اليوم هو فن دقيق وشفاف ومركب ومعقد وشامل ومتكامل، هذه الحقيقة غابت عن أذهان كثير من المسرحيين المغاربة والعرب، والذين فاتهم أن يعرفوا أن المسرح هو أساسا (جمهورية فيدرالية ديمقراطية متحدة) وبهذا فهو الفن الذي يوحد ولا يفرق، والذي يضيف الجديد ولا يقصي القديم، والذي يقرب البعيد ولا يبعد القريب، وهو يبني ولا يهدم، ويجرب ولا يخرب، وهو يجمع ويركب العلوم والفنون والأفكار والصنائع في بنية فكرية وجمالية واحدة، ولقد أخطأ الذين أفقروا هذا المسرح الغني وقالوا ( المسرح سياسة فقط) أو ( المسرح فرجة فقط) أو (المسرح كتابة بالجسد دون غيرها) أو ( المسرح تأثيث للفراغ بالأضواء والألوان ولا شيء غير ذلك) فالمسرح ليس خطبة سياسية في تجمع سياسي، وليس وعظا وإرشادا في مسجد أو معبدد، والمسرح ليس فروسية دونكيشوتية حالمة وواهمة لتغيير هذا العالم بضربة سحرية، ولهذا فقد كانت كثير من (حروب) المسرحيين العرب في السبعينات من القرن الماضي، حروبا خاسرة، لأنها نافست الجرائد الحزبية في رفع الشعارات، ونسيت أن تهتم بالفن المسرحي أولا، وأن تهتم بالسؤال الفكري وبالسؤال العلمي وبالسؤال الحقيقي في المسرح الحقيقي وفي المسرحيات قبل أي شيء آخر .
إن الأساس في الفعل المسرحي هو الحرية دائما، حرية الكاتب في الكتابة، وحرية المخرج في القراءة، وحرية الجمهور في التلاقي، وحرية الناقد في أن يفهم ما يراه كما يشاء، ولا وجود لمسرح يمكن أن نزاوله سريا، بعيدا عن الناس وفي غيابهم، وذلك لأن المسرح أساسا هو اللقاء العام في المكان العام، وفي الفضاء العام وفي المناخ العام، وهو الفعل والتفاعل والانفعال، وهو التعدد أيضا، وهو التنوع، وهو الغنى، وهو الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية، ولهذا فإنه لا يجوز أن تقول للمسرحي أبدع هذا المسرح وحده، والتزم بهذه القضية السياسية وحدها، وإلا كان مسرحك خارج الموضوع، وكان جزاؤك أن تنال صفرا من المدرسين، وأن تنال العقاب من المسئولين السياسيين، وشخصيا فقد كنت دائما ضد المسرح المدرسي وضد المسرح الأيديولوجي، لأنهما معا قائمان على الجبر والجبرية وليس على الحرية في الاختيار، وماذا يمكن أن يكون المسرح، في معناه الحقيقي، سوى أنه هو:
(التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر)؟
واخر الكلام، ان الاحتفالي عندما ياتي فإنه لابد ان ياتي في موعده. ليس قبله ولا بعده، ثم هو لا ياتي وحده، ولكنه ياتي ومعه الفرح والبهجة و الأمل والجمال و الكمال ونسبة غير قليلة من الحقيقة.






