الإصلاح المؤسساتي

الدكتور صالح شانع يكتب:
الإصلاح من داخل المؤسسات ليس شعارا تقنيا بقدر ما هو سيرورة تاريخية معقدة تتقاطع فيها البنى مع الذوات، والقوانين مع القيم، والوظائف مع المعاني. فالمؤسسة، في بعدها السوسيولوجي، ليست مجرد جهاز إداري محايد، بل هي حقل علاقات وقوى، كما تصفه سوسيولوجيا التنظيمات، حيث تتصارع الرهانات والتمثلات، وتتجسد السلطة في تفاصيل الممارسة اليومية. ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال الإصلاح في قرارات فوقية أو نصوص قانونية، لأن البنية العميقة للمؤسسات تُعاد إنتاجها عبر سلوكات الفاعلين داخلها، وعلى رأسهم الموظف، حتى في أبسط مهامه.
فالتحليل السياسي يكشف أن كل إصلاح حقيقي هو إعادة توزيع ضمني للسلطة والمعنى، وأن مقاومة التغيير ليست دائما موقفا واعيا، بل قد تكون متجذرة في ما يسميه علم الاجتماع بـ”العادات المؤسسية” أو “الهابيتوس”، حيث يميل الأفراد إلى إعادة إنتاج ما ألفوه حفاظا على توازناتهم الرمزية والمادية. وهنا تتجلى أهمية الموظف البسيط، الذي قد يبدو هامشيا في سلم القرار، لكنه في الحقيقة فاعل محوري في تكريس أو تقويض منطق المؤسسة؛ إذ أن كيفية استقباله للمرتفق، دقة أدائه، أخلاقيته المهنية، وقدرته على تأويل النصوص التنظيمية في الممارسة اليومية، كلها تشكل البنية الفعلية للإدارة أكثر مما تفعل المراسيم نفسها.
أما من الزاوية الفلسفية، فإن الإصلاح من الداخل يفترض وعيا نقديا لدى الفاعلين، ينتقل بهم من منطق الامتثال الأعمى إلى منطق المسؤولية الأخلاقية. فالموظف، حتى في أبسط مهمة، يواجه سؤال المعنى: هل يؤدي عمله كإجراء ميكانيكي، أم كفعل إنساني يندرج ضمن خدمة الصالح العام؟ هنا يصبح الفعل البسيط—كختم وثيقة أو توجيه مواطن—لحظة أخلاقية تعكس تصورا أعمق للعدالة والواجب. وفي هذا الإطار، يتقاطع التحليل الفلسفي مع المقاربة السوسيو-سياسية ليؤكد أن الإصلاح لا يتحقق إلا عندما يتحول الوعي الفردي إلى رافعة جماعية، تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمؤسسة على أساس المواطنة لا التبعية.
اجتماعيا، تتأثر المؤسسات بالبنيات الثقافية السائدة؛ فإذا كان المجتمع يطبع سلوكاته بمنطق الزبونية أو اللامبالاة، فإن هذه القيم تتسرب إلى الإدارة، والعكس صحيح. لذا فإن الموظف، حتى في موقعه البسيط، يمكن أن يشكل نواة لتحول قيمي صامت، من خلال ترسيخ سلوكيات النزاهة والانضباط والاحترام. إنه فاعل دقيق التأثير، لكنه عميق الأثر، لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الأعلى فقط، بل يتشكل تدريجيا عبر تراكم الممارسات اليومية التي تعيد تشكيل الوعي الجماعي.
وهكذا، فإن الإصلاح من داخل المؤسسات ليس مسارا خطيا، بل هو جدلية مستمرة بين البنية والفعل، بين النص والتطبيق، بين السلطة والضمير. وفي قلب هذه الجدلية يقف الموظف، لا كمنفذ سلبي، بل كفاعل قادر—ببساطة مهامه—على أن يكون إما حارسا للجمود أو بذرة للتغيير.





