24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

من تسلق سلاليم المعاناة وسافر كيلومترات القسوة وعبر أميال المآسي لا وطن له إلا أمه..

من تسلق سلاليم المعاناة وسافر كيلومترات القسوة وعبر أميال المآسي لا وطن له إلا أمه..

في زمنٍ أصبحت فيه الحياة رحلة شاقة بين مطبات الحاجة وقسوة الظروف، يظل الإنسان محمّلاً بأوجاعه، يطارد حلماً بعيداً، ويبحث عن وطن يمنحه شيئاً من الأمان والطمأنينة، لكن هناك من أنهكته الطرق، وأثقلته المسافات، وتجرّع من مرارة الأيام ما يكفي ليكتشف أن الأوطان ليست دائماً حدوداً جغرافية، ولا رايات تُرفع، بل قد تكون قلباً واحداً يتسع لكل جراحه… إنها الأم.

من تسلّق سلاليم المعاناة درجةً درجة، ومن سافر كيلومترات القسوة دون أن يجد محطة يستريح فيها، ومن عبر أميال المآسي حاملاً على كتفيه أثقال الخيبات والانكسارات، يدرك أن العالم، على اتساعه، قد يضيق به في لحظة ضعف، وأن الوجوه التي ظنها ملاذاً قد تغيب عند أول عاصفة، وحين تتكاثر الخيبات، وتغلق الأبواب، وتصبح الحياة أشبه بمعركة يومية من أجل البقاء، لا يجد الإنسان حضناً أكثر دفئاً من حضن أمه.

الأم ليست مجرد شخص في حياة أبنائها، بل هي الحكاية الأولى التي لا تنتهي، والملاذ الأخير حين تخذلنا كل الملاذات، هي الوطن الذي لا يحتاج إلى جواز سفر لدخوله، ولا إلى تأشيرة للعودة إليه، في عينيها يجد المتعب راحته، وفي دعائها يجد المنكسر قوته، وبين يديها يشعر بأن العالم، رغم قسوته، لا يزال يحتفظ بشيء من الرحمة.

قد يكبر الإنسان، ويقطع المسافات، ويجوب البلدان، ويخالط الناس، ويحقق النجاحات، لكنه يظل في أعماقه ذلك الطفل الذي يبحث عن صوت أمه حين تضيق به الدنيا، فالأم لا تسأل عن حجم ما حققته، ولا تحاسبك على عدد المرات التي تعثرت فيها، ولا تنتظر منك أن تكون قوياً طوال الوقت؛ يكفيها أن تعود إليها، ولو مثقلاً بالهموم، لتفتح لك قلبها قبل باب بيتها.

إنها مفارقة الحياة المؤلمة؛ نركض خلف أوطان كثيرة، ونبحث عن الأمان في أماكن متعددة، ونبذل أعمارنا في سبيل الاستقرار، ثم نكتشف أن أعظم وطن قد يكون قد عاش معنا منذ خطواتنا الأولى، وأن أكثر القلوب وفاءً هو ذلك القلب الذي حملنا قبل أن نعرف معنى الحياة.

ولعل أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يدرك متأخراً أن حضن أمه كان وطنه الحقيقي، وأن دعاءها كان سنده في كل منعطف، وأن وجودها كان نعمة لا تعوّضها كنوز الدنيا.

فطوبى لمن لا يزال له أمّ يعود إليها، ويستند إلى حنانها، ويستمد من دعائها القوة لمواجهة قسوة الأيام، وطوبى لمن يعرف أن برّها ليس واجباً عابراً، بل وفاء لعمرٍ كامل من التضحية والعطاء.

فمهما طالت الرحلة، ومهما اشتدت المعاناة، ومهما ابتعدت المسافات، يبقى للأم عنوان واحد في وجدان أبنائها: الوطن الذي لا تغلق أبوابه، ولا تنتهي حدوده، ولا تنطفئ أنواره ما دام قلبها ينبض.

فمن تسلّق سلاليم المعاناة، وسافر كيلومترات القسوة، وعبر أميال المآسي، قد لا يجد في نهاية الطريق وطناً يحتضنه… لكن إن كانت أمه لا تزال تنتظره، فهو لم يفقد وطنه بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى