24 ساعةأخبار إقليم سيدي بنورالواجهةثقافة وفنون ومؤلفاتحقوق الإنسان

موسم الوالي الصالح “سيدي عبد السلام الغواص” بالوليدية .. صون الموروث أم تجسيد الفوضى والأسئلة المحرجة؟

​بقلم: عبد الله فني

​كان يُفترض في موسم الوالي الصالح “سيدي عبد السلام الغواص” أن يشكل محطة سنوية للاحتفاء بالموروث الثقافي الأصيل، وفضاءً يتسع للتقاليد المحلية ويليق بقيمة “الباردية” والفرسان والزوار. غير أن ما شهدته دورة هذه السنة يُعيد إلى الواجهة سؤالاً حارقاً ومحرجاً في الآن ذاته : هل نحن أمام تظاهرة تُدار بحس تنظيمي يحترم رمزيّة التراث، أم أمام مشهد يكشف عمق الاختلالات في الحكامة والتدبير؟

​يستقبلك الموسم بموجات كثيفة من الغبار التي تطبع أجواء المكان، في ظل غياب شبه تام لعمليات رش “المحرك” والمسالك المحيطة به بالماء على غرار باقي المواسم والمهرجانات … ف”المحرك” ليس مجرد حلبة للعرض، بل هو قلب التظاهرة النابض الذي يحتضن الخيل والفرسان والجمهور؛ مما يجعل توفير بيئة سليمة داخله أدنى الواجبات المنوطة بالجهة المنظمة، لا سيما وأن التظاهرة تستقطب آلاف الزوار . فأين هي برامج الرش الميدانية؟ ومن يسهر على تتبع تنفيذها؟

وفي ذات الموسم ورغم أنه ​من أدنى شروط تنظيم التظاهرات الجماهيرية توفير مرافق صحية كافية ونظيفة تحفظ كرامة الزائر. غير أن انعدام هذه الخدمات أو محدوديتها يطرح علامات استفهام عريضة حول كيفية استقبال المواطنين والضيوف في غياب شروط السلامة الصحية والراحة الأساسية. فالتنظيم الناجح لا يُقاس ببرجوازية المنصات وحجم اللافتات، بل بمدى صون كرامة المواطن.

لكن ​المثير للقلق بشكل أكبر هو انتشار أسلاك كهربائية ممتدة مباشرة على الأرض وسط الفضاء العام. إننا هنا لا نتحدث عن ملاحظة شكلية، بل عن تهديد مباشر وأكيد للسلامة العامة في منطق يعج بالأطفال والنساء والفرسان. فهل خضعت التجهيزات الكهربائية لمعاينة تقنية من جهات مختصة؟ وهل تمتلك اللجنة المنظمة شواهد السلامة والوقاية؟ إن سلامة المواطنين لا تحتمل التهاون ولا تنتظر وقوع الكارثة لتصبح أولوية.

​وبين هذا وذاك توقف المتابعون ببالغ الاستغراب عند استخدام عبارات وإشارات ذات حمولة سياسية أثناء فقرات التنشيط. وهنا يحق للرأي العام أن يتساءل: هل تحولت منصات التراث إلى منابر لتمرير الرسائل السياسية؟ إن هذا الموسم ملك جماعي لساكنة المنطقة وذاكرتها المشتركة، والأولى أن يُكرّس التنشيط خدمة للفروسية والتراث والتقاليد، بعيداً عن أي توظيف سياسي يذكي الانقسام.

و​لا يتوقف السؤال عند هوية المنظمين، بل يمتد إلى مدى إدراكهم للقيمة الرمزية والتاريخية للموروث الذي يشرفون عليه. ف التراث ليس مجرد زي تقليدي واستعراض بصري، بل هو معرفة وتاريخ وطقوس قائمة على احترام “الباردية” وفهم أدبيات الفروسية. ومن حق الفاعلين الثقافيين التساؤل عن المعايير المعتمة في اختيار الساهرين على إدارة وتنشيط هذه التظاهرة.

​”الباردية” والفرسان يعتبرون عماد هذا الموسم وروحه، غير أن التعامل معهم لم يرتقِ إلى حجم المجهودات والتضحيات التي يقدمونها. فالباردي يتحمل عناء التناقل ومصاريف خيله ليقدم عرضاً يمتع الجماهير، لكنه بالمقابل لا يجد الظروف اللائقة التي تحفظ كرامته وسلامة فرسه. إن إعادة الاعتبار لفرسان الخيل التقليدية يجب أن تكون في صدارة الأولويات، لا في ذيلها.

وهنا ​تداولت جهات عدة شكايات تتحدث عن ممارسات شطط في استخدام السلطة وتجاوزات في تدبير بعض الجوانب التنظيمية. ورغم أن هذه الادعاءات لا يمكن اتخاذها كأحكام مسبقة، إلا أنه لا يمكن تجاهلها بأي حال. المطلوب هو فتح تحقيق شفاف والاستماع لكل الأطراف؛ فالقانون يُحترم بالتحري والنزاهة، وليس بالصمت عن الشكايات أو الإدانة بغير دليل.

​تستدعي الوضعية الراهنة إذن طرح أسئلة إدارية وسياسية واضحة: من يتحمل المسؤولية المباشرة عن سوء التنظيم؟ ومن يراقب السلامة والمرافق وسقي الحلبة وتأمين التجهيزات؟ وهل ستكون هناك لجنة تقييم موضوعية بعد نهاية الموسم أم أن كل شيء سينتهي بانقضاء السهرة الأخيرة؟

​إن نقد الاختلالات لا يعادي الموسم ولا يقلل من قيمته، بل ينبع من الغيرة على الموروث والرغبة في حمايته. والمطلوب اليوم ليس مجرد موسم ينتهي بالغبار والضجيج، بل تظاهرة تحترم التاريخ والفرسان والساكنة.

​يبقى السؤال المفتوح: هل ستتجه الجهات المعنية نحو إقرار تقييم شفاف لمعالجة هذه الاختلالات وتحديد المسؤوليات، أم ستظل هذه الأسئلة معلقة إلى غاية دورة قادمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى