بعد خمس سنوات من التمثيلية البرلمانية.. ماذا تغيّر فعلاً في إقليم الجديدة؟
بقلم: عبد الله فني

خمس سنوات تقريباً انقضت من عمر الولاية التشريعية، سالت خلالها أودية من الأسئلة الشفهية والكتابية، وتلاحقت المداخلات والوعود، وتعددت الأجوبة الحكومية والملفات التي حملها نواب إقليم الجديدة إلى قبة البرلمان … خمس سنوات كان يُفترض أن تكون مهلة كافية — ليس لحل قضايا الإقليم المعقدة دفعة واحدة فهذا أمر ينأى عنه الواقع — ولكن، على الأقل، لإرساء أثر ملموس للترافع البرلماني يلمسه المواطن في حياته اليومية.
غير أن الشارع الجديدي لا يقرأ المحاضر الرسمية للبرلمان، ولا يتتبع العداد العددي للأسئلة الموجهة إلى الوزراء. المواطن يطرح أسئلة مباشراة :
- ماذا تغيّر على أرض الواقع؟
- هل ارتقى مستوى الخدمات في القطاع الصحي؟
- هل صُيانت الطرق والمسالك القروية وأصبحت أكثر أماناً؟
- هل تجاوزت المناطق التي تعاني الخصاص المائي محنتها؟
- هل انعكس الاستثمار الموعود على واقع التعليم وتوفير فرص شغل حقيقية للشباب؟
- هل وُضعت حلول جذرية لمعضلات التعمير والنقل والبيئة؟
- هل خرجت الملفات المرفوعة إلى البرلمان من دائرية “السؤال والجواب” إلى حيز الإنجاز والفيصل الميداني؟
هذه ليست أسئلة مجانية ولا موجهة ضد أسماء بعينها، بل هي المكاشفة المشروعة لمواطن يبحث عن الأثر الفعلي لمن منحهم صوته وأمانة تمثيله.
لا أحد يجحد حق النائب البرلماني في ممارسة أدوار الرقابة والترافع عبر آلية الأسئلة . بل هي صلب الاختصاص الدستوري . لكن السؤال يظل مجرد وثيقة، والجواب الحكومي يبقى تصريحاً إنشائياً، بينما الإنجاز هو الحقيقة الوحيدة التي تعني الساكنة.
فحين يُطرح سؤال تحت القبة عن وضعية مستشفى، فالنتيجة المنشودة ليست تسلّم نسخة من رد الوزارة، بل توفير طبيب متخصص، وتجهيز طبّي متطور، وخدمة استشفائية تحفظ كرامة المريض. وحين يُثار ملف مسلك أو طريق، فالغاية ليست صياغة تفيد بأن الموضوع “قيد الدراسة والاهتمام”، بل تعبيد الطرقات وتسهيل حركة التنقل. وحين يمتد النقاش إلى جلب الاستثمارات والتشغيل، فالتقييم لا يقف عند حد التبشير بالإمكانيات، بل ينعكس في أرقام مناصب الشغل المحدثة والمشاريع الواقعية.
نحن لا نكلف ممثلي الإقليم ما لا طاقة لهم به، ولا ندّعي أن كل مشهد تنموي هو بالضرورة نتاج حصري لسؤال برلماني. لكن المعيار الديمقراطي السليم يفرض مطالبة صريحة بكشف حساب واضح للرأي العام :
- ما هي الملفات الاستراتيجية التي شكلت المحور الأساسي للترافع؟
- ما المشاريع التي حُولت بالفعل من رفوف الوعود إلى أرض الواقع؟
- ما حجم الاعتمادات المالية التي نجح الترافع في استقطابها للإقليم؟
- ما الملفات التي ما زالت تعاني التعثر، وما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا التعثر؟
- هل يوجد مشروع تنموي واحد بارز بالإقليم يمكن للمواطن الجديدي أن يؤشر عليه بثقة ويقول: “هذا الإنجاز تحقق بثمرة ترافع برلماني مسؤول”؟
إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فالواجب الواضح يقتضي عرض هذه الحصيلة بالأرقام والوثائق والدلائل القطعية. وإذا كان العكس، فمن حق الشارع أن يعرف مكامن الخلل وأسباب الفشل.
وراء كل سؤال يُطرح في البرلمان تقبع معاطب واقعية؛ فخلف ملف الصحة يوجد مريض يتألم، وخلف ملف الطرق يوجد تلميذ وفلاح وعامل يسلكون مسالك متهالكة، وخلف ملف الماء تقف أسر تحت وطأة العطش، وخلف ملف التعثر الاقتصادي يقبع شباب ينتظر آفاق الشغل، وخلف ملف البيئة مواطن يتطلع لعيش كريم في بيئة سليمة.
من هذا المنطلق، فإن تقييم النجاعة البرلمانية لا يستقيم بالحساب العددي للمداخلات، فالأرقام مجرد مؤشر، لكن الأثر هو الفارق.
إننا في جريدة “الجديدة نيوز”، إذ نفتح هذا الملف التقييمي، ننطلق من التزام مهني محياد، ونكفل لجميع نواب إقليم الجديدة الحق الكامل في تقديم معطياتهم وتوضيح حصيلتهم للرأي العام.
هدفنا ليس الإدانة المجانية ولا التبرئة الجاهزة، بل الوصول إلى الحقيقة المدعمة بالوثائق والأرقام. ولذا نُعيد طرح السؤال الجوهري:
بعد خمس سنوات من التمثيلية البرلمانية.. ماذا تغيّر فعلاً في إقليم الجديدة؟ وما هو الإنجاز الملموس الذي يستطيع كل نائب أن يقدمه للمواطن كحصيلة لا تقبل التشكيك؟
فالعمل السياسي في نهاية المطاف لا يُقاس بعدد الأيادي المرفوعة لطرح الأسئلة… بل بقدرتنا على الوقوف أمام المواطن والقول بثقة: “هذا ما تغير بفضل ترافعنا”.





