الواجهةمجرد رأي

ردا على أحمد عصيد

بقلم: الدكتور بامعروف 
المضحك-المبكي في خطاب عصيد حول الظهير البربري !!، أنه يرتدي جبة “المحقق الصارم” ويعطي الدروس في “الأمانة وفحص المراجع”، بينما هو غارق حتى أذنيه في “سطو معرفي موصوف” إذ يجتر بحذافيرها القراءة التبسيطية التي قدمها محمد منيب في كتابه “الظهير البربري.. أكبر أكذوبة سياسية…”، ومن بعده محمد بودهان في كتابة الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟
لقد تبنى عصيد الأطروحة ونسبها لنفسه موهما متابعيه في وسائل التواصل الاجتماعي أنها “فتح علمي” تفجرت به عبقريته، متناسيا أننا كأصحاب اختصاص نرفض أصلا أطروحة منيب وبودهان لعدم انضباطها للمنهج العلمي الصارم، وتحكم المواقف الأيديولوجية المسبقة فيها، وافتقارها للتحقيق الوثائقي المجرد. فإذا كنا نحن كباحثين نرفض “الأصل” لعلاته المنهجية، فكيف نأخذ باجترار النسخة المشوهة التي يقدمها عصيد ؟ إننا هنا أمام “اجترار للأخطاء”، وليس أمام “كشف للحقيقة”.أفتريد منا يا أستاذ عصيد، نحن أهل القانون و العلوم السياسية، أن نتبنى مسمى «ظهير تنظيم العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية» لكي ترتاح حساسيتك الأيديولوجية؟
إن هذا المسمى الذي تدافع عنه باستماتة هو “القناع البيروقراطي” والماكياج التقني الذي صاغه ليوطي و سيردون و لوسيان سان و ضباط الشؤون الاهلية لتغطية على عملية بتر السيادة القضائية للمغرب. أما “الظهير البربري”، فهو الاسم السياسي والشرعي والشعبي الذي صكه المغاربة (عرب و امازيغ) بدمائهم وتضحياتهم في المساجد والجبال.
والمفارقة السريالية هنا هي أنكم تدعون “التحرر المعرفي”، وفي أول اختبار إبستمولوجي تتشبثون بالمصطلح الاستعماري التقني وتتبرؤون من المسمى الوطني المقاوم! هل هذا هو الوعي الذي تبشر به نخبك “المتأمزغة” (لا الأمازيغية الرصينة)؟ أن تكونوا مجرد “صدى صوت” لمصطلحات الإقامة العامة الفرنسية؟
يا أستاذ عصيد: السؤال الذي يجب أن يطرح في البحث الأكاديمي ليس هو “ما هو الاسم المكتوب في الورقة الاستعمارية؟”، بل هو: “لماذا سمي شعبيا وقانونيا بالظهير البربري؟” سمي كذلك لأنه استهدف وحدة القانون (Legal Unity) للمغاربة وعزل الجبل عن الحواضر.
سمي كذلك لأنه أراد تحويل الأمازيغية من “رافد هوياتي” إلى “غيتو” (Ghetto) قانوني وإدارة عرقية معزولة تحت رحمة ضابط الشؤون الأهلية الفرنسي.
سمي كذلك لأن أجدادنا أدركوا بفطرتهم السيادية أن وراء “الاحترام المزعوم للأعراف” تكمن رغبة المستعمر في “تأبيد السيبة” وتجريد الفاعل المحلي من أراضيه ومراعيه الجماعية عبر آليات التعددية القانونية المفخخة (Legal Pluralism).
أقسم لكم بأغلظ الأيمان، لو كان هؤلاء القوم على علم بأبسط وثائق الفترة الاستعمارية وآليات الإثنوغرافيا القانونية التي اشتغلت بها الإقامة العامة، وجلسوا يستمعون لأكروباتيا عصيد لضحكوا ساخرين حتى الثمالة من هذه الضحالة المعرفية المفتقدة للأصالة والأمانة على حد سواء.
إن دراسة القانون وفصوله وسياقاته التاريخية هي بضاعتنا التي شيبت رؤوسنا في مراكز البحث وكليات الحقوق، أما محاولة “تهريب” النقاش نحو شكليات المسميات الفرنسية للتغطية على “الخديعة الكبرى” للظهير، فهي محاولة بائسة لن تمر على من جعلوا من الأرشيف محرابا لعلمهم.
يا أستاذ عصيد: الاختصاص الذي تنادي به هو أول من يدينك؛ لأن المتخصص الحقيقي يقرأ ما وراء النص ويفكك خلفياته الجيوسياسية، بينما الهاوي يبهره “الخط الاستعماري الفرنساوي” ويقتات على شفرات مراجع غيره!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى