الواجهة

هل للسياسي المغربي كرامة؟

عبد المولى المروري 

عبد المولى المروري

قد يبدو للبعض هذا السؤال غريبًا للوهلة الأولى، وقد يبدو للبعض الآخر مرفوضا ومستهجنا. .فالكلام عن كرامة المواطن مفهوم ومطلوب، والكلام عن كرامة الإنسان عموما من صميم الخطاب الحقوقي والأخلاقي والديني، لكن الحديث عن كرامة السياسي يثير عند البعض قدرا من الاستغراب، بل وربما السخرية، فالصورة السائدة في أذهان كثير من الناس اليوم هي أن السياسي جزء من السلطة، أو مرشح لها، أو امتداد له أو من النخبة المستفيدة منها، وأنه آخر من يحق له الحديث عن الكرامة أو المطالبة بها.

غير أن هذا التصور، رغم ما قد يحتويه من عناصر صحيحة في بعض الحالات، فإنه يخفي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن إهدار كرامة السياسي لا ينعكس على السياسي وحده، بل يمتد أثره إلى السياسة نفسها، وإلى صورة المؤسسات، وإلى ثقة المجتمع في العمل العام برمته.

وأحب أن أنوه أولا أن الأمر لا يتعلق الموضوع بأشخاص أو أحزاب بعينها، ولا هو محاولة للدفاع عن هذا السياسي أو ذاك، فقد يختلف الناس في تقييم هؤلاء جميعا، لكنهم يمثلون حالات كاشفة لوضع سياسي أوسع، يصبح فيه السياسي نفسه عرضة للتهميش أو التشهير أو الإهانة أو تحميل المسؤولية دون امتلاك السلطة الكافية.

وإذا كان مفهوم الكرامة السياسية يعني شيئا، فإنه يعني أن يحظى السياسي بالحد الأدنى من الاحترام الإنساني والمعنوي، وأن يمتلك قدرا معتبرا من الاستقلال ما يسمح له بالتعبير عن مواقفه، وأن يتحمل المسؤولية بقدر ما يمتلك من سلطة، وأن يحاسب على ما قرره فعلا.. لا على قرارات غيره، وأن يمارس العمل السياسي دون خوف من التشهير أو الإذلال أو الاغتيال الرمزي.

وعندما نتأمل الحياة السياسية المغربية خلال العقدين الأخيرة نجد عشرات الوقائع التي تثير هذا السؤال.

فقد تابع المغاربة مثلا ما وقع لعبد الإله ابن كيران بعد تصدر حزبه للانتخابات وقيادته لمفاوضات تشكيل الحكومة لأشهر طويلة قبل إعفائه من هذه المهمة.. وبصرف النظر عن الموقف من الرجل أو من حزبه، فقد ترسخت لدى فئات واسعة من الرأي العام صورة سياسي فاز انتخابيا لكنه لم يكن قادرا على تحويل ذلك الفوز إلى سلطة فعلية.. كما تحدث مصطفى الرميد في أكثر من مناسبة عن تعرض ابن كيران لغضب شديد وتوبيخ قاس من طرف الملك بسبب بعض تصريحاته السياسية، وهو ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود حرية السياسي وقدرته على التعبير عن مواقفه الحقيقية وآراءه الخاصة حول بعض القضايا.

وتبرز حالة سعد الدين العثماني باعتبارها من أكثر الحالات إثارة للتأمل والشفقة.. فالرجل الذي قاد حزبا ظل لسنوات يعارض التطبيع مع كيان الاحتلال وجد نفسه في موقف مأساوي وهو يوقع اتفاقا من هذا الحجم والخطورة السياسية والتاريخية، بعد أن أخطأ المسؤول عن تقديم الشخصيات الموقعة في نطق الاسم الشخصي الصحيح للرجل الثاني في الدولة والذي سيوقع باسمها هذا الاتفاقية (ولا أدري هل كان ذلك الخطأ سهوا أو متعمدا)، ثم يتحمل لاحقا الجزء الأكبر من الكلفة السياسية والانتخابية لهذا القرار. وقد ترسخت في أذهان كثير من المغاربة صورة رئيس حكومة وقع على اتفاق استراتيجي ضخم دون أن يكون هو صاحب القرار النهائي فيه، ودون أن يعرف مضمونه وبنوده. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يفقد السياسي – من رتبة رئيس حكومة- كرامته فقط عندما يتعرض للإهانة المباشرة، أم عندما يتحول إلى مجرد منفذ لقرارات لا يشارك في صناعتها؟

ولم تقتصر صور إهدار الكرامة السياسية على رؤساء الحكومات والوزراء، بل امتدت أحيانا إلى دبلوماسيين ومسؤولين كبار.. فقد أثارت قضية إعفاء نبيل بنعبد الله من منصبه سفيرا للمغرب بإيطاليا سنة 2009، بعد الجدل الإعلامي الذي رافق خلافا نُسب إلى زوجته مع زوجة وزير الخارجية آنذاك، نقاشا واسعا حول مدى هشاشة المواقع السياسية والإدارية، وحول قدرة بعض الوقائع الهامشية أو الشخصية على التأثير في المسارات المهنية والسياسية للمسؤولين.

كما عرف المغرب أيضا إعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين على خلفية تعثر مشاريع الحسيمة (محمد حصاد، محمد نبيل بنعبدالله، العربي بن الشيخ، علي الفاسي الفهري، رشيد بلمختار، لحسن حداد، لحسن السكوري، محمد أمين الصبيحي، حكيمة الحيطي) ومن أبرز تلك الوجوه الحسن الوردي الذي كان من الوزراء الذين اكتسبوا شعبية وصورة إصلاحية لدى جزء وازن من الرأي العام، ثم وجد نفسه ضمن لائحة المعفيين، وهو ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق فقط بالكفاءة أو الشعبية، ولا يتعلق النقاش هنا بمدى صحة الإعفاء أو خطئه، بل بعلاقة السياسي بالسلطة والمسؤولية ومجال القرار الحقيقي..، فهل كان هؤلاء الوزراء يمتلكون – فعلا – كل السلطات التي تسمح لهم بتنفيذ تلك المشاريع؟ وهل يجوز تحميل المسؤولية كاملة لمن لا يملك القرار كاملا؟

وفي مستوى آخر من إهدار الكرامة السياسية، نجد ظاهرة التشهير بالحياة الخاصة للسياسيين.. فقد تحولت حياة بعض الشخصيات السياسية إلى مادة يومية للتهكم والسخرية والتشهير الإعلامي والرقمي.. وتعرضت آمنة ماء العينين لحملات واسعة بعد نشر صورها الخاصة، كما تعرض المصطفى الرميد ومحمد يتيم، وقبله لحبيب الشوباني وسمية بنخلدون رحمها الله، لموجات متواصلة من السخرية والمتابعة الإعلامية التي تجاوزت في كثير من الأحيان حدود النقاش السياسي إلى اقتحام المجال الشخصي والخاص.

وهنا يبرز سؤال يكتسي أهمية بالغة، هل من حق المجتمع أن يحاسب السياسي على أدائه العمومي أم إن حياته الخاصة أصبحت بدورها جزءا من الصراع السياسي؟ وأين تنتهي الرقابة المشروعة ويبدأ التشهير المرفوض؟

بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى ظهور نوع جديد من الإهانة السياسية، مصدره وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية وبعض من احترفوا صناعة التشهير والاغتيال الرمزي.. فمؤخرا لم يتردد العديد من المشهرين المحترفين في وصف عبد الله بوانو بالحمار وأشنع النعوت القدحية والساقطة بسبب انتقاده لرئيس الحكومة.. وقد يختلف الناس مع بوانو أو يتفقون معه، لكن القضية لا تتعلق بشخصه بقدر ما تتعلق بمستوى الخطاب العمومي الذي أصبح يعتبر السب والشتم بديلا عن النقاش والحجة.

إن أخطر ما في هذه الوقائع جميعها أنها لا تمس أشخاصا بأعينهم فقط، بل تساهم في تدمير صورة السياسة نفسها.. فالشاب الذي يرى السياسي يُهان ويُشهَّر به ويُسخر منه ويُحمَّل مسؤولية ما لا يملك قراره، لن يفقد ثقته في ذلك السياسي وحده، بل سيفقد ثقته في السياسة كلها.

ومن هنا نفهم أحد الأسباب العميقة للعزوف السياسي المتزايد، لأن المشكلة ليست فقط في ضعف الأحزاب أو في تراجع الثقة في الانتخابات، بل أيضا في الصورة المهينة التي التصقت بالسياسي في المخيال الجماعي.. لقد تحول السياسي في نظر كثير من الناس إلى شخص عاجز؛ إن تكلم عوقب، وإن سكت اتُّهم، وإن أخطأ شُهر به، وإن أصاب لم يُشكر، وإن تحمل المسؤولية لم يُمنح السلطة الكافية لممارستها.

ولعل أخطر أشكال إهدار الكرامة السياسية ليس السب ولا الشتم ولا التشهير، بل أن يُطلب من السياسي أن يتحمل أمام الشعب مسؤولية قرارات لم يصنعها، وأن يدافع عن اختيارات لم يساهم في بلورتها، وأن يدفع الثمن الانتخابي لسياسات لا يملك تغييرها.

إن السياسة لا يمكن أن تزدهر في بيئة تُهدر فيها كرامة السياسي باستمرار.. فإهدار كرامة السياسي لا ينتج رجال دولة، بل ينتج موظفين سياسيين.. ولا ينتج قيادات مستقلة، بل ينتج شخصيات تخشى المبادرة وتفضل الصمت على الموقف وتبحث عن رضا أصحاب النفوذ أكثر مما تبحث عن رضا المواطنين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل ما سبق هو: من المستفيد من إهدار كرامة السياسي؟

قد يبدو الجواب للوهلة الأولى بسيطا، وقد يتجه الذهن مباشرة إلى خصوم السياسي أو منافسيه أو المختلفين معه، غير أن الأمر في الحقيقة أعمق بكثير من مجرد صراع بين أشخاص أو أحزاب.. فالمستفيد الحقيقي من إهدار كرامة السياسي ليس فردا بعينه ولا جهة واحدة محددة، بل كل من يستفيد من إضعاف الوساطة السياسية بين الدولة والمجتمع.

فالسياسي في الأصل ليس مجرد شخص يسعى إلى منصب أو امتياز، بل هو وسيط بين المجتمع ومراكز القرار، ينقل المطالب، ويدافع عن الحقوق، ويؤطر المواطنين، ويفاوض باسمهم، ويشارك في صناعة السياسات العمومية. ولذلك فإن إضعافه أو تشويه صورته أو تحويله إلى مادة دائمة للسخرية والتشهير لا يضربه وحده، بل يضرب الوظيفة التي يؤديها أيضا.

ولهذا ليس من قبيل الصدفة أن يكون أول المتضررين من قوة السياسي المستقل هم أول المستفيدين من ضعفه.. فكلما ضعفت الأحزاب السياسية، اتسع نفوذ البيروقراطية.. وكلما تراجعت مكانة المنتخبين، ازدادت سلطة المعينين.. وكلما فقد المواطن ثقته في السياسي، أصبح القرار العمومي بعيدا عن الرقابة الشعبية والمساءلة المجتمعية.

والأمر نفسه ينطبق على بعض القوى الاقتصادية التي تجد في السياسي الضعيف شريكا مريحا أكثر من السياسي القوي.. فصاحب القرار المستقل قد يطالب بالشفافية والمحاسبة وحماية المال العام، بينما يصبح السياسي الذي يخشى على موقعه أو سمعته أو مستقبله أكثر قابلية للضغط والابتزاز والترويض.

كما أن بعض المنابر الإعلامية ومقاولي التشهير لا يجدون في السياسي المحترم مادة جذابة لجمهورهم، بينما يتحول السياسي المهان أو المشهر به إلى سلعة إعلامية مربحة.. فبدل مناقشة الأفكار والبرامج والرؤى، يتم اختزال السياسة في الفضائح والإشاعات والحياة الخاصة والاغتيال الرمزي، حتى تصبح قيمة السياسي في حجم الإثارة التي يثيرها لا في حجم ما يقدمه من أفكار أو إنجازات.

ومن المستفيدين من إهدار كرامة السياسي هو الفكر الشعبوي الذي يقوم على تحطيم الثقة في كل المؤسسات والوسائط.. فهذا الخطاب لا يكتفي بانتقاد السياسيين، بل يسعى إلى إقناع الناس بأن السياسة كلها كذب، وأن الأحزاب كلها فاسدة، وأن الانتخابات كلها عبث، وأن المؤسسات كلها بلا جدوى. وحين ينجح في ذلك لا يفتح الباب أمام مجتمع أكثر حرية وعدالة، بل يفتح الباب أمام الفراغ، والفراغ في السياسة لا يبقى فراغا أبدا، بل تملؤه دائما قوى أخرى أكثر نفوذا وأقل خضوعا للمحاسبة.

غير أن المستفيد الأكبر من إهدار كرامة السياسي ليس هذا الحزب أو ذاك، ولا هذا المسؤول أو ذاك، بل الاستبداد أيا كان شكله ومصدره، ومن المعلوم أن جوهر الاستبداد – في النهاية – هو رفض وجود وسطاء أقوياء ومستقلين بين السلطة والمجتمع.. لذلك لا يشعر المستبد بالارتياح تجاه السياسي الذي يمتلك شرعية شعبية مستقلة، أو شخصية قوية، أو قدرة على التأثير والتأطير والتعبئة، لأن وجود مثل هذه الشخصيات يحد من احتكار القرار المركزي، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه وحقوقه.

ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يربط عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد” بين الاستبداد وبين إفساد النخب وإضعافها وإخضاعها.. لأن من صميم أهداف المستبد ألا يكتفي بالسيطرة على المؤسسات، بل يسعى أيضا إلى إضعاف كل الشخصيات والهيئات الوسيطة القادرة على التأثير في المجتمع، سواء كانت أحزابا أو نقابات أو جمعيات أو علماء أو مثقفين أو سياسيين.. ذلك أن وجود وسطاء أقوياء يعني وجود قدرة على التفاوض والمساءلة والاعتراض، بينما يؤدي إضعافهم إلى تحويل المجتمع إلى أفراد معزولين يسهل التحكم فيهم كل على حدة.

ومن هنا نفهم لماذا يكون السياسي المستقل والمتمتع بالكرامة مصدر إزعاج لكل نزعة استبدادية، بينما يصبح السياسي المهان أو المروض أو الخائف أكثر قابلية للانقياد وأقل قدرة على الدفاع عن المواطنين.. فالاستبداد لا يخشى السياسي الضعيف، بل يحتاج إليه أحيانا.. أما السياسي الذي يمتلك من الكرامة ما يجعله قادرا على قول “لا” عند الضرورة، فهو الذي يشكل العقبة الحقيقية أمام تمدد النفوذ غير الخاضع للمحاسبة.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة يغفل عنها كثير من الناس، فالمواطن الذي يصفق لإهانة السياسي ظنا منه أنه ينتقم من طبقة فاسدة أو عاجزة، قد يكون في الحقيقة يساهم دون أن يشعر في هدم إحدى الأدوات القليلة التي يمكن أن تدافع عن مصالحه داخل المجال العام.. وحين يختفي السياسي المحترم، لا يظهر المواطن القوي، بل يظهر غالبا المواطن المعزول.. وحين تنهار هيبة السياسة، لا تتعزز الديمقراطية، بل تتراجع.. وحين يفقد السياسي كرامته، لا يفقدها وحده، بل تفقد السياسة نفسها جزءا من معناها ووظيفتها ورسالتها.

ولذلك فإن إهدار كرامة السياسي لا يضر السياسي وحده، بل يضر المجتمع بأكمله، لأنه يضعف إحدى أهم الآليات التي تمكن المواطنين من الدفاع عن مصالحهم داخل المجال العام.. وحين تضعف الكرامة السياسية، لا تتراجع مكانة السياسي فقط، بل تتراجع معها قدرة المجتمع نفسه على مقاومة الاستبداد والهيمنة والتغول.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن نختزله في تعرض هذا السياسي أو ذاك للإهانة، بل أي حياة سياسية يمكن أن تتواجد في مجتمع لا يشعر فيه السياسي نفسه بالأمن المعنوي والاستقلال والاحترام؟

إن كرامة السياسي ليست امتيازا شخصيا، بل هي جزء من كرامة السياسة نفسها، وكرامة المجتمع نفسه.. وإذا كان السياسي لا يملك من الكرامة ما يسمح له بالدفاع عن نفسه، فكيف سيدافع عن كرامة المواطنين الذين انتخبوه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى