24 ساعةالواجهةجرائم وحوادث وقضاياحقوق الإنسانمحكمة

وهبي يفتح ملف التعويض عن الخطأ القضائي بالمغرب..

مشروع قانون جديد يعيد الاعتبار لضحايا الأحكام الخاطئة ويضع مسؤولية الدولة أمام مقتضيات الدستور

بقلم خطوط النواصر

في محطة تشريعية تحمل أبعادا حقوقية وقانونية بالغة الأهمية عاد ملف التعويض عن الخطأ القضائي إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب عقب التصريحات التي أدلى بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام مجلس المستشارين يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 والتي كشف من خلالها عن استعداد الحكومة لإحالة مشروع قانون خاص بالتعويض عن الخطأ القضائي في إطار ورش تشريعي يستهدف تطوير المنظومة القانونية وتعزيز ضمانات حماية حقوق المواطنين.

ولم يكن حديث وزير العدل مجرد إعلان عن مشروع قانون جديد بل أعاد تسليط الضوء على واحد من أبرز المبادئ الدستورية المرتبطة بحماية الإنسان وصيانة كرامته وضمان حقه في الانتصاف عندما يتعرض لضرر ناتج عن خطأ قضائي.

لقد نص الفصل 122 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 بوضوح على ما يلي : «يحق لكل من تضرر من خطإ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة».

ويشكل هذا المقتضى الدستوري ضمانة أساسية في منظومة العدالة المغربية باعتباره يقر بمسؤولية الدولة عن جبر الأضرار الناتجة عن الخطأ القضائي وفق الشروط والمساطر القانونية المعمول بها.

فالمواطن الذي يجد نفسه ضحية خطأ قضائي لا ينبغي أن يظل وحده في مواجهة آثار الضرر الذي لحق به بل إن الحق في الإنصاف يقتضي وجود آليات قانونية واضحة تتيح له المطالبة بالتعويض وجبر الضرر متى ثبتت شروط استحقاقه.

وخلال مداخلته البرلمانية كشف وزير العدل أن الحكومة تعمل على إعداد مشروع قانون خاص بالتعويض عن الخطأ القضائي إلى جانب مشاريع تشريعية أخرى تتعلق بمراجعة القانون الجنائي ومحاربة التمييز وخطاب الكراهية والعنصرية.

كما أشار إلى أن هذه المشاريع توجد في مرحلة التحضير للإحالة ضمن الأجندة التشريعية لوزارة العدل.

ويكتسي هذا الإعلان أهمية خاصة بالنظر إلى الحاجة إلى تحديد شروط الاستفادة من التعويض والجهة المختصة بالنظر في الطلبات وكيفية إثبات الضرر ومعايير تقدير التعويض والآجال والإجراءات المرتبطة به.

إن الخطأ القضائي عندما يترتب عنه حرمان شخص من حريته أو إلحاق أضرار مادية أو معنوية به قد يترك آثارا عميقة على حياته الاجتماعية والمهنية والأسرية.

فقد يجد شخص نفسه بعد سنوات من المساطر والإجراءات أمام قرار قضائي ينصفه أو يثبت براءته غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأضرار التي تعرض لها قد زالت أو أن آثارها انتهت.

ومن هنا تبرز الأهمية الحقيقية للفصل 122 الذي يجعل التعويض عن الضرر حقا دستوريا لا مجرد امتياز تمنحه الإدارة أو إجراء استثنائيا يخضع للاعتبارات الظرفية.

وقد سبق للقضاء المغربي أن تعامل مع إشكالية التعويض عن الخطأ القضائي في ضوء دستور 2011 حيث صدر قرار عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض عدد 98 بتاريخ 28 يناير 2016 اعتبر المحاكم الإدارية مختصة بالنظر في طلبات التعويض المرتبطة بنشاط مرفق العدالة.

ويعكس هذا الاجتهاد أهمية تفعيل المقتضيات الدستورية وتحويلها إلى حماية قضائية عملية تضمن للمتضررين إمكانية المطالبة بحقوقهم وفق الضوابط القانونية.

الرهان الحقيقي.. قانون واضح يحمي المواطن ويصون استقلال القضاء

إن إقرار آليات التعويض عن الخطأ القضائي لا يستهدف المساس باستقلال السلطة القضائية أو التشكيك في عمل القضاة بل يرمي إلى تعزيز الثقة في المؤسسة القضائية من خلال إقرار مبدأ المسؤولية وجبر الضرر عند ثبوت موجباته.

كما أن وضع قانون دقيق في هذا المجال يقتضي التوفيق بين حق المواطن في الإنصاف واستقلال القضاء وحجية الأحكام القضائية وضمان عدم تحول دعاوى التعويض إلى وسيلة للطعن غير المباشر في الأحكام خارج المساطر المقررة قانونا.

إن التصريحات التي أدلى بها وزير العدل عبد اللطيف وهبي بشأن مشروع قانون التعويض عن الخطأ القضائي تعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بمدى قدرة المنظومة القانونية على حماية المواطن ليس فقط من الاعتداء على حقوقه وإنما أيضا من الأضرار التي قد تنتج عن أخطاء مؤسساتية وقضائية.

فالدستور المغربي جعل كرامة الإنسان وحقوقه في صلب البناء المؤسساتي وأكد من خلال الفصل 122 أن جبر الضرر مسؤولية تتحملها الدولة متى ثبت الخطأ القضائي وتوفرت شروط التعويض.

ويبقى التحدي الأساسي اليوم هو الانتقال من المقتضى الدستوري إلى قانون واضح وفعال يحدد المسؤوليات ويضبط المساطر ويضمن الإنصاف ويجعل العدالة عنوانا لحماية الحقوق وصيانة الكرامة وترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى