سيمفونيةُ الألوان والوفاء: “سبت البهجة” يوثق ولادة الضوء واعترافاً بأيقونة العطاء لطيفة الأعواني




في ليلةٍ دكاليةٍ باذخة، اختلط فيها عبق التاريخ بمسرح الحي البرتغالي يوم 14/3/2026 بشذى الإبداع الرمضاني، خطت الفنانة التشكيلية زهور معناني تجربةً بصريةً استثنائية ضمن فعاليات “سبت البهجة” الذي نظمه صالون الفكر والإبداع. لم تكن تلك اللوحة التي أُنجزت مباشرة أمام ذهول الجمهور مجرد إفراغٍ لألوانٍ على قماش، بل كانت عملية “مكاشفة فنية” حقيقية، استدرجت فيها الفنانةُ الضوءَ من قلب العتمة لتصيغ عملاً تجريدياً تعبيرياً يفيض بالدلالات الروحية والجمالية. لقد اتكأت اللوحة في تآليفها العام على تضادٍ لونيٍ جريء ومدروس؛ حيث بسط اللون الأصفر “الشمساني” سلطانه على المساحات العلوية والوسطى، مانحاً الحضور دفقاً من الروحانية والدفء الذي تماهى مع جلال الأمسية الرمضانية، ولم يكن هذا اللون اختياراً عبثياً، بل كان استحضاراً بصرياً لجوهر “البهجة” التي يصبو إليها الصالون، وتحويلاً لها من شعورٍ معنوي غائر في النفس إلى كتلة ضوئية ملموسة تُبهر الناظرين وتفتح آفاق الأمل.
وبالتعمق في تفاصيل هذا المنجز الفني، نلمس ذكاءً تشكيلياً لافتاً في توزيع الكتل والرموز على ضفتي اللوحة؛ ففي الجانب الأيمن برزت تشكيلاتٌ غاية في الدقة تشبه الأساور والحلي التقليدية، مغموسةً في أحمر “مراكشي” دكالي يعكس الحيوية والقوة، وهي أساور بتموجاتها الدائرية تحيلنا مباشرة على موروث “دكالة” العريق، رابطةً الحاضر بالماضي بصلة رحم بصرية تجعل المشاهد يشعر بأصالة الانتماء. أما الجانب الأيسر، فقد تعالت فيه تكوينات عمودية توحي بشخوصٍ أو مآذن وصوامع متماهية في الضوء، وكأنها في حالة صعود صوفي نحو المطلق، حيث تظهر الأساور هناك أيضاً بلمسات لونية داكنة لترسم توازناً بصرياً يوحي بأن الإبداع، رغم تحرره وانطلاقه، يظل متمسكاً بجذور الهوية والقيود الجمالية التي لا تزيد المبدع إلا رفعة وسمواً.
إن التقنية التي اعتمدتها معناني في الرسم المباشر جعلت من “الضربات الواثقة” للريشة لغةً قائمة بذاتها، نلاحظ من خلالها خطوطاً سوداء رشيقة في قلب اللوحة تشبه “الحروفية المبهمة”، وكأنها تعيد رسم قصائد الشاعرة فتيحة بلالي أو زجل المبدع عبد الإله متوكل بنوع آخر من الحبر لا يقرأ بالعين بل بالبصيرة. اللوحة هنا لم تحكِ قصة واحدة، بل تحولت إلى “مجمع فنون” حي؛ تلمس في تماوج ألوانها صدى إيقاع مجموعة الشهاب، وتستشعر في زواياها “فلاشات” الكاتب سعيد الشفاج حول الظاهرة الغيوانية، وتستحضر من خلالها ابتسامات الإنسان الخلوق الحسن الراضي وسهره الدؤوب لضمان نجاح كل التفاصيل. كما تماهت في هذا المشهد الإبداعي “حركات” الفاعل الجمعوي المصطفى بهجي، الذي أضفى بتواجده الميداني النشيط وحركيته الدؤوبة روحاً خاصة على فضاء المسرح، محولاً العمل الجمعوي إلى فنٍ ملموس يخدم الثقافة والمجتمع.
وقد بلغت الأمسية ذروة “بهجتها” في تلك اللحظة التاريخية التي تآخى فيها اللون مع العرفان، حين توقفت الريشةُ تقديراً لتكريم أيقونة العمل الجمعوي الأستاذة لطيفة الأعواني، رئيسة جمعية شرايين الحياة ومديرة الصالون؛ فهذا المحتفى بها لم تكن مجرد حضورٍ عابر، بل هي “الشريان” الذي يغذي جسد الإبداع في دكالة، وقد جاء تكريمها في يوم المرأة العالمي ليعطي للوحة معناني بُعداً إنسانياً عميقاً؛ فكأن الأساور المرسومة على جنبات اللوحة هي ذاتها أساورُ الوفاء والمسؤولية التي حملتها الأستاذة لطيفة طوال مسارها الحافل بالعطاء والتميز.
ولأن الصورة هي عين التاريخ، فقد اكتمل سحر اللوحة بلمسات المصور المحترف زهير بنوقاص، الذي استطاع بعدسته الذكية أن يقتنص اللحظات الهاربة لولادة اللون ولحظات التأثر في عيني المحتفى بها، مترجماً تعابير الفنانة زهور وهي تغازل قماش اللوحة إلى صورٍ تنطق بالحياة، فكانت كاميرته شريكةً في الإبداع، توثق حوار الريشة مع الضوء وتمنح لـ “سبت البهجة” ذاكرةً بصريةً تليق بمقامه. وعلى خشبة المسرح، كان الحضور لافتاً للمنشط الشاب حسن مقيث، الذي أدار المنصة بذكاء لوني يضاهي ذكاء ريشة الفنانة، محققاً هارمونيا نادرة بين الكلمة واللون. ولأن الفن لا يكتمل إلا بنظامٍ يحميه، برز الدور المحوري للشاب ياسين زوهيري، المسؤول عن التنظيم، الذي كان بحق “الجندي الخفي” والدينامو الحقيقي وراء الكواليس؛ إذ سهر بيقظة عالية وحس احترافي على أدق التفاصيل اللوجستيكية، مؤكداً بجهده الصامت أن نجاح أي عمل إبداعي يبدأ حتماً من دقة التنظيم ووفاء الساهرين عليه.
نجحت زهور معناني في أن تجعل من لوحتها مرآةً صقيلة لـ “سبت البهجة” ولروح المحتفى بها لطيفة الأعواني؛ فمن خلال دمج الأساور -كرموز للزينة والارتباط بالهوية- مع الفضاءات اللونية المفتوحة، قدمت خطاباً فنياً بليغاً يقول: إن الإبداع هو “الأسوار” التي تحمي جوهرنا، وهو في الوقت ذاته الفضاء الذي نتحرر فيه لنحلق نحو عوالم أرحب. لقد كانت هذه اللوحة بمثابة “مسك الختام” الذي بصم عليه جمهور مدينة الجديدة بالدهشة والتقدير، لتظل شاهداً بصرياً خالداً على ليلةٍ لم تكن كباقي الليالي، ليلةٌ انتصر فيها الفن للقيم، وتوحدت فيها الريشة والعدسة مع قلوب الساهرين على صالون الفكر والإبداع.





