24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

تقنين “الشيشة” بالمغرب: بين الفراغ التشريعي وضرورة الضبط الإداري

تطرح التدخلات المتكررة لإغلاق محلات تقديم “النرجيلة” (الشيشة) وملاحقة أصحابها قضائياً، إشكالات قانونية وحقوقية عميقة تتجاوز طبيعة النشاط نفسه لتلامس جوهر مبدأ “الأمن القانوني”. ففي ظل غياب نص تشريعي صريح يجرم هذا النشاط، تبرز تساؤلات ملحة حول حدود السلطة الإدارية في تقييد الحريات الاقتصادية دون سند قانوني واضح.

​1. غياب النص الجنائي وقاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”

​يقوم النظام القانوني المغربي على مبدأ دستوري راسخ وهو “حرية المبادرة الاقتصادية”. ومن الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد حتى الآن نص في القانون الجنائي أو التشريعات الخاصة يجرم استهلاك أو تقديم الشيشة بشكل مباشر. وبناءً على قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، فإن الملاحقات التي تتم تحت هذا المسمى تظل مفتقرة للسند القانوني المتين، مما يجعل النشاط يترنح في “منطقة رمادية” تفتح الباب أمام التأويلات والاجتهادات الإدارية الظرفية.

​2. إشكالية التكييف القانوني للإغلاق والحجز

​إن لجوء السلطات المحلية أحياناً إلى الإغلاق الفوري للمحلات أو حجز المعدات، دون الاستناد إلى مخالفات تعميرية أو صحية مثبتة بقرار قضائي، قد يُقرأ من زاوية “الشطط في استعمال السلطة”. فالإدارة ملزمة بالتحرك في إطار ما تمنحه القوانين، وأي حظر شامل لنشاط تجاري مرخص كمقهى أو مطعم يتطلب نصاً تشريعياً صريحاً صادراً عن المؤسسة البرلمانية، وليس مجرد دوريات أو قرارات إدارية محلية.

​3. الواقعية في التدبير: التقنين خير من المنع العشوائي

​تثبت التجارب الدولية والمحلية أن المنع غير المؤطر قانونياً غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. فبدل حصر النشاط في فضاءات عامة تخضع للرقابة الأمنية والصحية وشروط التهوية، يساهم التضييق “غير المقنن” في دفع هذا النشاط نحو “السرية” داخل المنازل والشقق الخاصة والفيلات.

هذا الانتقال إلى الفضاءات الخاصة يشكل خطراً حقيقياً، حيث يصعب على السلطات مراقبة ما يجري داخلها، سواء من حيث سلامة المرتادين، أو منع القاصرين، أو ضبط أي سلوكات غير قانونية أخرى، مما يجعل “الاحتواء والتقنين” خياراً أكثر حكمة من “المنع والتهجير نحو السرية”.

​4. نحو مقاربة تشريعية متوازنة

​إن الحل الجذري لا يكمن في الحملات الموسمية، بل في إخراج إطار قانوني واضح يخرج هذا النشاط من ضبابية “المنطقة الرمادية”. تقنين النشاط سيسمح بفرض شروط صارمة تشمل:

  • ​تحديد معايير صحية وتقنية دقيقة (أنظمة التهوية والمساحات).
  • ​المنع البات والزجري لولوج القاصرين لهذه الفضاءات.
  • ​فرض رسوم ضريبية واضحة تساهم في خزينة الدولة وتضمن مراقبة المصادر (التبغ المهرب).

​خلاصة القول:

إن الدعوة إلى تقنين هذا النشاط ليست دفاعاً عن “الشيشة” كظاهرة، بقدر ما هي انتصار لمنطق “دولة المؤسسات” التي تضبط شؤون مواطنيها بقوانين واضحة وعادلة، توازن بين حماية الصحة العامة وبين ضمان استقرار الاستثمارات وحماية الحريات الفردية والاقتصادية من أي تدبير إداري غير مؤطر.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى