أخبار دوليةالواجهة

3 مكاسب كبرى يجنيها تقارب “موسكو- بكين” من حرب غزة

 

من غير المعروف حتى الآن كيف ستنتهي الحرب الإسرائيلية القذرة على قطاع غزة، وكيف ستكون تداعياتها على الاقتصاد العالمي والنظام المالي والعلاقات الدولية، ولكنها بالتأكيد أدت إلى تعزيز التقارب بين موسكو وبكين ضد هيمنة واشنطن على النظام العالمي وفق مراقبين.
ويقول محللون إن موسكو وبكين قد تستغلان حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، لتحقيق عدة مكاسب، على رأسها تشتيت انتباه القوى الغربية عن الحرب التي تخوضها روسيا في أوكرانيا، كما أن موسكو ستستغل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وبالتالي زيادة دخلها المالي من الطاقة وتعزيز إيراداتها من النقد الأجنبي، إضافة إلى تعزيز التقارب بين الصين وروسيا في ما يُعرف بتحالف “موسكو ـ بكين” ضد الهيمنة الغربية، وربما إقناع العديد من دول العالم ببناء نظام عالمي جديد يحقق العدالة لدول الجنوب الجغرافي والدول الناشئة والنامية.
وحتى الآن، يستفيد التقارب الحالي بين موسكو وبكين من الغضب الشعبي العارم ضد واشنطن وأوروبا التي انحازت بالكامل إلى إسرائيل وتدعم جرائمها وخرقها كل القوانين والأعراف الدولية، وبالتالي يتجذر الرأي القائل إن القوى الغربية غير جديرة بقيادة العالم والدفاع عن الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
موسكو ستستغل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وزيادة دخلها المالي من الطاقة وتعزيز إيراداتها من النقد الأجنبي.
وكشفت الحرب على غزة الأقنعة الغربية الزائفة التي كانت تقود بها واشنطن العالم وتدافع بها عمّا يسمى “النظام العالمي” الذي بنيت على أساسه النظم السياسية والقانونية في الأمم المتحدة والمؤسسات المالية والقانونية المشتركة.
على صعيد أوكرانيا، يرى محللون أن حرب الإبادة على قطاع غزة، “إذا اتسعت أو طال أمدها، فسوف تتزايد التساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا وإسرائيل في ذات الوقت الذي تعزز فيه القدرة المالية لموسكو على تمويل الحرب ضد كييف”.
ولا يستبعد محللون أن ترفض مجموعة من أعضاء الكونغرس توسيع العجز المالي في الميزانية الأميركية لمصلحة دعم أوكرانيا التي يرى البعض أنها ستخسر الحرب ولا طائل من دعمها. وهو ما يعني أن الحرب على غزة بدأت تظهر نتائجها السلبية على أوكرانيا.
وحتى قبل اندلاع الحرب على غزة، كانت هناك دلائل تشير إلى أن التمويل الأميركي والمستقبلي لأوكرانيا قد يكون في خطر، خاصة بعد موافقة الكونغرس الأميركي على مشروع قانون تمويل مؤقت يوقف المساعدات الإضافية لأوكرانيا لمدة 45 يوماً.
3 سيناريوهات لأسعار النفط
وتعمل الإدارة الأميركية حالياً على إجازة تمويل بقيمة 106 مليارات دولار لكل من أوكرانيا وإسرائيل، منها 14.3 مليار دولار لإسرائيل والباقي لأوكرانيا، ولكن هنالك معارضة شرسة من قبل الجمهوريين لإجازة هذا التمويل الضخم.
وتجلت هذه المعارضة في جلسة عاصفة في نهاية الشهر الماضي، قاطعها المتظاهرون عدة مرات، طالب فيها الجمهوريون بفصل المساعدات ودعم المساعدات لإسرائيل ورفض مساعدات أوكرانيا.
وقال كل من وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ووزير الدفاع، لويد أوستن في الجلسة، إن المساعدات المقدمة لكلا البلدين مرتبطة بشكل وثيق ولا ينبغي فصلها. وحتى الآن يصر كبار الجمهوريين في الكونغرس على عدم دعم أوكرانيا.
كما قدم الرئيس اليميني الجديد لمجلس النواب، مشروع قانون يقترح قصر المساعدات على 14.3 مليار دولار لإسرائيل وربطها بتخفيضات في ميزانية دائرة الإيرادات الداخلية، وهي هيئة الضرائب الأميركية.
الخزينة الروسية ودعم الحرب
رفعت الحرب القذرة على قطاع غزة أسعار برميل النفط إلى نحو 93 دولاراً لخام القياس برنت، وربما ترتفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير من 100 دولار في حال توسع الحرب، ومخاوف الدول العالمية على أمن الطاقة العالمي، ومخاوف الشعوب العربية من تداعيات الانتصار الإسرائيلي على توسع الاحتلال لبناء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
رفعت الحرب على غزة أسعار برميل النفط إلى نحو 93 دولاراً، وربما ترتفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير من 100 دولار في حال توسع الحرب
وهذا الاحتمال سيهدد استقرار بعض الأنظمة العربية التي تعول عليها إسرائيل في حربها ضد غزة. وبالتالي، هنالك احتمال كبير أن تدخل الشعوب العربية في مواجهة مع الحكومات العربية، خاصة في الدول غير النفطية التي تعاني من ويلات الفقر والغلاء والبطالة والقبضة الأمنية.
وكانت واشنطن تعول على مشروع سقف الأسعار للنفط، الذي فرضته مجموعة السبع على الطاقة الروسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتحقيق هدفين وهما، ضمان تدفق النفط الخام الروسي إلى الأسواق العالمية، وإبقاء أسعار البنزين منخفضة من ناحية، وفي ذات الوقت، خفض عائدات موسكو من إيرادات الطاقة، وبالتالي كبح قدرة موسكو على تمويل الحرب ضد أوكرانيا.
ولكن يبدو أن حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على أهالي غزة قوضت هذه الأهداف، إذ إنها رفعت من الطلب العالمي على النفط وزادت من عدم اليقين حول أمن الإمدادات في المستقبل.
القلق يتواصل في بورصة تل أبيب من خسائر الحرب (getty)
ثلاثة مخاطر تواجه الاقتصاد الإسرائيلي… شبح 1973 في الأفق
في هذا الصدد، يقول كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس، ليام بيتش”: “يبدو أن مكاسب الطاقة غير المتوقعة التي نالتها روسيا منذ بداية الحرب على غزة، ستسمح للحكومة الروسية بتكثيف جهودها الحربية دون الحاجة إلى تمويلات إضافية”.
وحتى الآن، رفعت الحرب على غزة الطلب على النفط الروسي، خاصة من قبل الصين وروسيا وبعض أجزاء آسيا القلقة من تداعيات الحرب الإسرائيلية على الممرات المائية في الشرق الأوسط، خاصة مضيق هرمز الذي تمر به يومياً نحو 17.5 مليون برميل يومياً إلى آسيا وخليج عدن وقناة السويس التي تمر بها نحو 4.5 ملايين برميل يومياً.
وفي مثل هذه الظروف، أشارت رئيسة استراتيجية السلع في بنك “جي بي مورغان تشيس”، ناتاشا كانيفا، إلى أن سعر الحد الأقصى لم يعد ذا جدوى حالياً.
وحسب “رويترز”، ارتفعت إيرادات روسيا من النفط والغاز في أكتوبر/تشرين الأول ومنذ “طوفان الأقصى” والقصف الجوي المميت على سكان غزة بأكثر من المثلين إلى 1.635 تريليون روبل (17.63 مليار دولار) من 739.9 مليار روبل في سبتمبر/أيلول.
رفعت الحرب على غزة الطلب على النفط الروسي، خاصة من قبل الصين وروسيا وبعض أجزاء آسيا القلقة من تداعيات الحرب
وفي ذات الصدد، قال البنك الدولي في تقرير حديث، إن ارتفاع أسعار النفط الروسي يشير إلى أن الحد الأقصى أصبح غير قابل للتنفيذ على نحو متزايد.
وكانت الشركات الروسية قد تفادت الحظر على تأمين الناقلات النفطية عبر أسطول من الناقلات القديمة التي وفرتها شركات هندية، لذا تخطت حواجز العقوبات الغربية، وقلصت الخصم الذي تبيع به روسيا نفطها مقارنة بالأسعار العالمية، الأمر الذي عزز قدرات روسيا الحربية.
كما أدت الحرب على غزة إلى رفع كلف تأمين ناقلات النفط وزيادة أسعار الخامات البترولية بسبب حالة عدم اليقين بشأن توفر إمدادات كافية في المستقبل.
ويساعد التدفق الكبير لعائدات النفط على الخزينة الروسية على خفض العجز في ميزانية الدولة.
خبراء يحذرون: الحرب في غزة تهدد أسواق المال العالمية
ويعتقد الاقتصاديون الآن أنه من الممكن أن تصل موسكو إلى هدف العجز البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بتوقعات سابقة في الربيع الماضي أن يصل العجز إلى 5% أو 6% هذا العام. ويقدر الاقتصاد الروسي بنحو 1.79 تريليون دولار.
ويخفف تضييق العجز بالميزانية الروسية الضغوط المفروضة على متطلبات التمويل الحكومية من خلال تقليل الحاجة إلى استنزاف المدخرات وإصدار سندات باهظة الثمن، كما يسهم في دعم سعر الروبل الروسي الذي واصل تحسنه منذ عملية “طوفان الأقصى”.
تبادل تجاري قوي
عززت الحرب القذرة على غزة التقارب بين “بكين وموسكو” ضد واشنطن وحلفائها في أوروبا وآسيا ورفعت من شعبية التحالف في العالم وفق مراقبين، حيث عملت الدولتان على هدنة في الحرب تسمح بالمساعدات الإنسانية لأهالي قطاع غزة المحاصرين براً وجواً وبحراً، بينما عارضتها الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية.
في هذا الصدد، قال مبعوث الصين للشرق الأوسط، تشاي جون لنظيره الروسي ميخائيل بوغدانوف، إن “السبب الأساسي الذي جعل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يصل إلى حالته الحالية، هو أن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني لم تتم حمايتها”.
يرى محللون أن الحرب على غزة قد تعزز التقارب العسكري والاقتصادي والتقني بين موسكو وبكين، بسبب موقف واشنطن مع الاعتداء الإسرائيلي
من جانبه، قال أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، روبرت سوتر، عن الصين وروسيا: “إنهم يحاولون الحفاظ على استقرار وتعزيز علاقاتهم”.
وفي مقال افتتاحي لصحيفة “تشاينا ديلي” التي تسيطر عليها الحكومة الصينية، اتهمت الصحيفة الولايات المتحدة “بصب الزيت على النار من خلال دعم إسرائيل بشكل أعمى في الصراع المستمر”.
وقالت صحيفة “غلوبال تايمز” في بكين التي تديرها الدولة في افتتاحيتها الخاصة، إن الولايات المتحدة “ملطخة بدماء المدنيين الأبرياء” بعدما استخدمت الولايات المتحدة في 18 أكتوبر/تشرين الأول حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي صاغته البرازيل، ويدعو إلى هدنة إنسانية تسمح بدخول المساعدات إلى غزة.
الاقتصاد الإسرائيلي … المصائب لا تأتي فرادى
ويعتقد بعض المحللين أن الحرب على غزة قد تعزز التقارب العسكري والاقتصادي والتقني بين موسكو وبكين، بسبب موقف واشنطن مع الاعتداء الإسرائيلي، الذي يعني تلقائياً أن واشنطن لا تأبه بمصالح الأمن والاستقرار في العالم وستضحي بكل شيء بما في ذلك الاتفاقات التجارية مع الصين.
لذا، فإن روسيا ستزيد من اعتمادها المالي والتجاري مع الصين، وربما ترفع تجارتها مع الصين إلى أكثر من 200 مليار المستهدفة، وتساهم عملياً في تدويل اليوان الصيني عبر التبادل التجاري.
وحتى الآن، بلغت الصادرات من الصين إلى روسيا 24.07 مليار دولار، بزيادة 47.1% عن العام الماضي. كما ارتفعت الواردات من روسيا إلى 29.77 مليار دولار وبنسبة 32.6%. وبالحساب السنوي ربما تبلغ التجارة بين الصين وروسيا 215 مليار دولار خلال العام الجاري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى