عندما تختل المعايير… طريق استراتيجي يواجه امتحان المصداقية

في المشاريع الكبرى، لا تُقاس القيمة بحجم الاستثمار أو الامتداد الجغرافي فقط، بل بمدى احترام المعايير وتكافؤ الجودة عبر جميع المقاطع. هذا المبدأ يبدو اليوم محل اختبار حقيقي في الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، الذي طُرح كأحد أعمدة الربط الاستراتيجي والتنمية المجالية، قبل أن تكشف تفاصيله الميدانية عن اختلال يصعب تجاهله.
المقطع الرابط بين العيون والداخلة، الممتد على مسافة تتجاوز 500 كيلومتر، يشكل نقطة ارتكاز حيوية في هذا المشروع. غير أن الاكتفاء بتوسعة الطريق بدل تثنيته، كما هو الحال في المقاطع الشمالية، يضع المشروع أمام مفارقة واضحة: بنية تحتية بطموح وطني، لكن بمعايير غير متجانسة. وهو تفاوت لا يمكن تبريره تقنياً ولا استيعابه تنموياً.
هذا الخلل لا ينعكس فقط على جودة السير أو راحة المرتفقين، بل يطرح إشكالاً أعمق يتعلق بالسلامة الطرقية وفعالية الاستثمار العمومي. فطريق سريع غير مزدوج في محور استراتيجي يظل عرضة لمخاطر أكبر، ويحد من القدرة الفعلية على تقليص زمن التنقل، وهو أحد أبرز أهداف المشروع.
كما أن الرهان الاقتصادي المرتبط بهذا الورش يتأثر بدوره بهذا التفاوت. فالطريق ليس مجرد ممر، بل رافعة لجذب الاستثمار وتعزيز الربط مع العمق الإفريقي عبر معبر الكركرات. وأي نقص في معايير الجودة ينعكس مباشرة على تنافسية الجهة وقدرتها على استقطاب المشاريع.
إثارة هذا الموضوع من طرف النائبة البرلمانية الرفعة ماء العينين داخل المؤسسة التشريعية يعكس أهمية الإشكال وراهنية معالجته. فالمطلوب اليوم ليس فقط توضيح خلفيات هذا الاختيار التقني، بل تقديم رؤية واضحة لتداركه في أقرب الآجال. لأن استكمال التثنية في هذا المقطع لا ينبغي أن يُنظر إليه كتحسين إضافي، بل كشرط أساسي لضمان انسجام المشروع.
في المحصلة، يظل هذا الطريق ورشاً استراتيجياً يحمل رهانات كبرى، لكن نجاحه يظل رهيناً بوحدة معاييره وصلابة تنفيذه. فالمشاريع الوطنية لا تحتمل أنصاف الحلول، ولا تقبل بأنصاف الجودة. وبين الطموح والإنجاز، تبقى المصداقية هي الفيصل الحقيقي.




