الهروب الجماعي في عز عيد العرش… جرس إنذار يفرض المصارحة قبل فوات الأوان و هل هناك مؤامرة ؟
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الهروب الجماعي في عز عيد العرش… جرس إنذار يفرض المصارحة قبل ليس أخطر على الأوطان من أن تحتفل الدولة بعيد العرش، بينما يحتفل اليأس بآلاف الشباب الذين اختاروا الهروب منها.
فبينما كان الشعب المغربي يخلد الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، كانت صور الهروب الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة تهز ضمير الوطن، وتفرض أسئلة سياسية واجتماعية وأمنية لا يجوز الصمت عنها.
إن أول سؤال يفرض نفسه ليس لماذا هرب هؤلاء الشباب؟ فالإجابة يعرفها الجميع؛ بطالة، وغلاء، وفقدان الأمل، واتساع الفوارق الاجتماعية. لكن السؤال الأخطر هو: كيف وصل آلاف الشباب إلى سبتة في توقيت واحد؟
كيف تمكن شباب قدموا من مدن تبعد مئات الكيلومترات من التجمع في نقطة واحدة؟ وهل تم تقييم ما وقع بشكل شفاف؟ وهل كانت آليات الرصد والتدخل كافية؟ وهل استغلت شبكات منظمة أو دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالة الإحباط التي يعيشها عدد من الشباب؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة يفرضها حجم الحدث. ومن حق المغاربة أن يحصلوا على أجوبة واضحة، لأن الشفافية هي أساس الثقة بين الدولة والمواطن.
وفي الوقت الذي يعيش فيه الشارع حالة من القلق، تتداول أخبار عن زيادات محتملة في أسعار المحروقات، وهو ما يزيد من مخاوف المواطنين على قدرتهم الشرائية إذا تأكدت هذه الأنباء. فالمغاربة يعيشون أصلاً تحت ضغط الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، وأي قرارات اقتصادية تمس حياتهم اليومية تستوجب تواصلاً واضحاً وتفسيراً مسؤولاً من الجهات المعنية.
والأكثر إثارة للاستغراب هو الصمت الذي يحيط بهذه التطورات. فالحكومة مطالبة، بحكم مسؤوليتها الدستورية والسياسية، بأن تتحدث إلى المواطنين، وأن تقدم تفسيراً لما وقع، وأن تكشف للرأي العام ما هي الإجراءات التي ستتخذها لمعالجة الأسباب العميقة التي تدفع شباب المغرب إلى المخاطرة بحياتهم.
كما يثير الاستغراب صمت جزء كبير من الأحزاب السياسية، والنقابات، وكثير من النخب الفكرية والثقافية والإعلامية، في لحظة كان ينتظر فيها المغاربة مواقف واضحة ونقاشاً وطنياً مسؤولاً. ومن حق الرأي العام أيضاً أن يناقش أداء المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، ومدى مساهمتها في مواكبة القضايا المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكرامة المواطنين.
إن الهروب الجماعي ليس مجرد حادث عابر، بل مؤشر ينبغي التعامل معه بجدية. فحين يفقد الشباب الثقة في المستقبل، تصبح الهجرة بالنسبة إلى بعضهم محاولة للبحث عن أفق آخر، مهما كانت المخاطر.
وعيد العرش سيبقى مناسبة وطنية جامعة، لكن الوفاء للوطن لا يكون بالاحتفال فقط، بل أيضاً بامتلاك شجاعة المصارحة، والاستماع إلى صوت المجتمع، والاعتراف بالاختلالات، والإسراع في إصلاحها. فاستقرار المغرب لا يقوم فقط على قوة مؤسساته، بل أيضاً على قوة الثقة بين المواطن ودولته.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جواباً واضحاً: كيف نحول صور الهروب الجماعي إلى جرس إنذار يدفع نحو الإصلاح، بدل أن تتحول إلى مشاهد تتكرر كلما اشتدت الأزمات؟
إن الوطن لا يخسر عندما تُطرح الأسئلة الصعبة، وإنما يخسر عندما يسود الصمت، وتتأخر الإصلاحات، ويشعر الشباب بأن أحلامهم أصبحت خارج حدود وطنهم.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المغرب إلى حوار وطني صريح، وإلى سياسات تعيد الأمل للشباب، وتعزز العدالة الاجتماعية، وتقوي الثقة في المؤسسات. فالمغرب يستحق أن يكون وطناً يتمسك به أبناؤه، لا وطناً يفر منه أبناؤه بحثاً عن مستقبل يعتقدون أنه لم يعودوا يجدونه داخله.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى …





