24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

الجديدة الكبرى بدون حافلات.. والمواطن واقف في محطة الإنتظار

بمجموعة جماعات الجديدة الكبرى، يبدو أن الحافلات قررت هذه المرة أن تدخل في إضراب يغيبها عن الوجود، وأن تأخذ عطلة جماعية لم يطلبها المواطن ولم يحدد لها تاريخ للعودة. أما المواطن، فقد وجد نفسه واقفا في المحطة، يراقب الطريق تارة، وساعته تارة أخرى، وكأنه ينتظر حافلة أصبحت اليوم أقرب إلى كائن أسطوري لا يظهر إلا في الحكايات !

القصة بدأت بتوقف الشركة المفوض لها تدبير النقل الحضري عن العمل ، في ظل مطالبة العمال بمستحقاتهم المالية، وسط حديث عن الدعم المخصص للقطاع، وهو ما وضع الإقليم من جديد أمام أزمة نقل لا يبدو أنها جاءت من فراغ ، بقدر ما جاءت نتيجة تدبير جعل المواطن دائما آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن .

فالعمال يقولون : نريد مستحقاتنا .

والساكنة تقول : نريد حافلاتنا .

والعمال والموظفون يقولون : لدينا مقرات عملنا .

والمرضى يقولون: لدينا مواعيد بالمستشفيات.

أما المواطن البسيط فيقول : من يا ترى يحمل همنا ويحل لنا هذه المعادلة ؟

يبدو أن السؤال الأخير تم توجيهه إلى الجهات المسؤولة عبر البريد المضمون مع إشعار بالتوصل… لكن الإشعار، على ما يبدو، لا يزال عالقا في الطريق .

فالأزمة لم تبق داخل أسوار الشركة، بل خرجت مباشرة إلى الشارع، لتجد الساكنة نفسها أمام لوبي النقل الذي دائما ما يتحين مثل هذه الفرص ليفرض زيادات غبر مبررة ، أو ممارسة رياضة المشي الإجباري لمسافات طويلة.

وفي زمن أصبحت فيه كلفة التنقل عبئا يوميا على الأسر، يتحول غياب الحافلات إلى أزمة إجتماعية حقيقية، خصوصا بالنسبة للطلبة والعمال والموظفين وسكان المناطق التي لا تتوفر على بدائل نقل كافية .

والأكثر إثارة للإستغراب أن النقل الحضري ليس مقهى يمكنه أن يعلق لافتة “مغلق حتى إشعار آخر”، ولا موسما ترفيهيا يفتح أبوابه حين تكون الظروف مواتية .

إنه مرفق عمومي حيوي، يرتبط مباشرة بحق المواطن في التنقل، وبوصول العامل إلى عمله، والطالب إلى مدرسته، والمريض إلى المستشفى، والأسرة إلى حاجياتها اليومية .

لكن في إقليم الجديدة يبدو أن قاعدة جديدة بدأت تترسخ : إذا توقفت الحافلة، فليبحث المواطن عن الحل … وغالبا ما تكون حافلات النقل العمومي او الخطافة هما البديل … وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل : إذا كان القطاع يستفيد من دعم عمومي، فمن يتحمل مسؤولية ضمان إستمرارية الخدمة العمومية ؟

وهل يمكن أن يتحول الدعم إلى بطاقة عبور نحو الإستمرار في الإستفادة، بينما المواطن هو آخر من يستفيد من الخدمة ؟

بطبيعة الحال، مطالب العمال بصرف مستحقاتهم تبقى مطالب مشروعة، ولا يمكن تحميل العامل مسؤولية إختلالات التدبير أو العلاقة المالية بين الشركة والجهات المعنية.

لكن في المقابل، لا يمكن أن يتحول المواطن إلى رهينة لخلافات الشركات والجهات المتدخلة في القطاع … فالساكنة لا تعنيها الحسابات الداخلية بقدر ما يعنيها سؤال واحد وبسيط : أين الحافلة ؟

المثير أن أزمة النقل تأتي في سياق سلسلة من المشاكل التي يعرفها الإقليم، من نظافة وإنارة عمومية إلى الماء والخدمات العمومية، وكأن المواطن أصبح يعيش داخل إشتراك شهري مفتوح في الأزمات، كلما أنتهت واحدة بدأت أخرى!

  • الماء مشكلة،
  • النظافة مشكلة،
  • الإنارة مشكلة،
  • النقل مشكلة…

أما المواطن، فهو الخدمة العمومية الوحيدة التي لا تتوقف عن دفع الفاتورة !

والأسئلة التي تفرض نفسها هنا ليس فقط ، لماذا توقفت الحافلات؟ بل :

  • أين خطة الطوارئ ؟
  • من المسؤول عن ضمان استمرارية النقل ؟
  • ماذا أُعد مسبقا لمثل هذه الحالات؟
  • هل توجد وسائل بديلة عند توقف الشركة ؟
  • ومن يحمي المواطن من الإرتفاع غير المنظم في كلفة النقل عندما تختفي الحافلات ؟

لأن المواطن لا ينبغي أن يستيقظ صباحا ليكتشف أن عليه، بالإضافة إلى ثمن تذكرته، أن يدفع أيضا ضريبة غياب التدبير !

المطلوب اليوم ليس تبادل الإتهامات، ولا عقد إجتماعات تنتهي بصورة جماعية وعبارات من قبيل ” تم إتخاذ التدابير اللازمة “، ثم يعود المواطن إلى المحطة ليجد أن التدبير الوحيد الذي تم إتخاذه هو إختفاء الحافلات !

بل المطلوب تدخل عاجل ومسؤول يضمن حقوق العمال، ويعيد الخدمة إلى الشوارع، ويضع آلية واضحة تمنع تكرار هذه الأزمة.

فالمواطن لا يطلب أسطولا من الحافلات الفاخرة، ولا يطالب بأن تتحول الجديدة إلى طوكيو في مجال النقل.

إنه يريد فقط حافلة تصل في موعدها، وسائقا يشتغل في ظروف تحفظ حقوقه، ومسؤولا يتحمل مسؤوليته عندما تقع الأزمة.

أما أن تختفي الحافلات، ويطالب العمال بمستحقاتهم، وتبحث الساكنة عن وسيلة نقل، ثم يبدأ الجميع في إنتظار تدخل قد يأتي غدا أو بعد غد أو بعد إنتهاء الأزمة… فهنا لا نتحدث فقط عن أزمة نقل … بل عن أزمة تدبير تحتاج إلى حافلة خاصة لنقلها إلى محطة الحلول!

وفي إنتظار عودة الحافلات، يبقى المواطن واقفا في المحطة، يحدق في الطريق، ويتساءل ، هل ستأتي الحافلة ؟ أم أنه وصلت فعلا… لكنها أخطأت الطريق إلى إقليم الجديدة ؟

وفي كل الأحوال، تبقى الرحلة مستمرة بعنوان واحد ، “إقليم الجديدة… إلى أين ؟”.

والطريف في الحكاية أن الجميع يتحدث عن محطة الوصول، بينما الحافلة نفسها لم تصل إلى محطة الإنطلاق !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى