محاكمة حكومة أخنوش من طرف الشعب المغربي
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

حكومة أخنوش أمام ميزان المسؤولية: من يحاسب من استنزف المال العام وأضعف الثقة في الدولة؟
سيدي الرئيس،
السيدات والسادة أعضاء المحكمة الموقرة و السيد ممثل النيابة العامة المحترم،
أيها الحقوقيون والمحامون،
يا من بقي لهم في هذا الوطن ذرة من ضمير وكرامة :
لسنا اليوم أمام محاكمة سياسية عابرة … بل أمام محاكمة لمرحلة سياسية كاملة، بدأت سنة 2021، والطرف المشتكى به حكومة ائتلافية يقودها التجمع الوطني للأحرار إلى جانب الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
والسؤال الذي نضعه أمام ضمير الوطن ليس : هل أخطأت الحكومة ؟ فالخطأ وارد.
بل السؤال هو : هل تحولت الأخطاء والاختيارات والقرارات المتراكمة إلى نمط في تدبير الدولة والمال العام والحقوق والحريات يستوجب المساءلة؟
إن الدستور المغربي لم يمنح الحكومة شيكاً على بياض.
بل جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة من المبادئ الدستورية الأساسية، وأقر حماية المال العام ومحاربة الفساد وتنازع المصالح.
وهنا تبدأ المرافعة.
أولاً: المال العام ليس غنيمة حكومية
سيدي الرئيس،
المال الذي تنفقه الحكومة ليس مال رئيسها ولا مال وزرائها ولا مال أحزاب الأغلبية.
إنه مال الشعب المغربي.
مال العامل والفلاح والموظف والتاجر والحرفي والعاطل والمتقاعد.
ولهذا فإن كل درهم يخرج من خزينة الدولة يجب أن يكون قابلاً للسؤال:
لماذا خرج؟
إلى من ذهب؟
وفق أي قانون؟
وبأي شروط؟
وما فائدته للمواطن؟
أما أن تتحول الدولة إلى ماكينة لإعادة توزيع المال العام على قطاعات ومؤسسات ومقاولات دون شفافية كافية أو تقييم مستقل للنتائج، فذلك يفرض على المؤسسات الرقابية والقضائية أن تتدخل.
لسنا ضد الاستثمار.
لسنا ضد دعم الصحة.
لسنا ضد دعم المقاولة.
لكننا ضد أن يصبح المال العام وسيلة لصناعة المستفيدين من النفوذ السياسي.
ثانياً: تضارب المصالح… أخطر سؤال لم يُجب عنه
حين يجتمع النفوذ السياسي والاقتصادي في دائرة واحدة، يصبح السؤال مشروعاً:
من يخدم القرار؟ المواطن أم المصلحة الخاصة؟
الفصل 36 من الدستور يتحدث صراحة عن المخالفات المتعلقة بتنازع المصالح واستغلال النفوذ والرشوة والاتجار في الأموال.
إذن لا يمكن إسكات هذا السؤال بالشعارات:
هل كانت كل القرارات الاقتصادية الكبرى محايدة؟
هل تم تجنب كل حالات تضارب المصالح؟
هل استفادت شركات مرتبطة بمراكز النفوذ السياسي من المال العمومي؟
هل كانت المنافسة عادلة؟
إن كانت الحكومة واثقة من سلامة تدبيرها:
فلتفتح الملفات.
ولتنشر العقود.
ولتنشر أسماء المستفيدين.
ولتنشر شروط الاستفادة.
ولنترك القضاء والرقابة المالية يقولان كلمتهما.
فالشفافية لا يخاف منها البريء.
ثالثاً: المحروقات… الملف الذي أحرق جيوب المغاربة
هنا نصل إلى أحد أكثر الملفات إثارة للغضب الشعبي.
مجلس المنافسة أعلن رسمياً في 2023 عن اتفاقات تسوية مع شركات ومنظمة مهنية في قطاع المحروقات، بمبلغ إجمالي قدره 1,840,410,426 درهماً، مع التزامات سلوكية لتحسين المنافسة في سوق المحروقات.
وهذا رقم رسمي.
لكن المرافعة لا تتوقف عند الرقم.
السؤال الحقيقي:
من دفع الثمن؟
المواطن.
المواطن الذي ذهب إلى محطة الوقود ودفع الثمن.
المواطن الذي ارتفعت عليه كلفة النقل.
المواطن الذي ارتفعت عليه أسعار الخضر والمواد الغذائية والخدمات.
المواطن الذي وجد راتبه يذوب أمام الأسعار.
ولهذا نقول:
لا يكفي أن تعاقب الشركات إذا ثبتت المخالفة.
يجب أن نعرف:
من استفاد؟
من ربح؟
كيف تشكل السعر؟
ما هو هامش الربح؟
ما هي كلفة الاستيراد الحقيقية؟
ومن تحمل الكلفة النهائية؟
والأهم:
هل استفاد المواطن من المنافسة أم أصبح الحلقة الأضعف في سوق المحروقات؟
رابعاً: لا حصانة لرئيس الحكومة ولا لوزير ولا لرجل أعمال
إننا نرفض منطق:
«أنا مسؤول حكومي، إذن لا تسألوني.»
كما نرفض منطق:
«أنا رجل أعمال، إذن لا تحاسبوني.»
السلطة مسؤولية.
والثروة مسؤولية.
والحكومة مسؤولية.
والقرار الاقتصادي مسؤولية.
ومن يجمع بين النفوذ السياسي والمصلحة الاقتصادية يجب أن يكون أكثر الناس استعداداً للشفافية، لا أقلهم.
خامساً: الحكومة التي تستدين باسم الأجيال مطالبة بكشف الحساب
الاستدانة ليست جريمة.
ولكن الاستدانة دون شفافية ومردودية ومراقبة ليست سياسة اقتصادية بريئة من الأسئلة.
عندما تقترض الدولة، فهي لا تقترض باسم الوزراء وحدهم.
إنها تقترض باسم:
أبنائنا.
وأحفادنا.
والأجيال القادمة.
لذلك نطالب بافتحاص شامل:
أين ذهبت القروض؟
من استفاد منها؟
ما المشاريع التي مولتها؟
ما مردوديتها؟
وكم سيدفع المواطن المغربي مستقبلاً بسبب قرارات اليوم؟
إذا كانت الأموال أنفقت في التنمية الحقيقية، فليُكشف الحساب.
وإذا كانت هناك اختلالات، فلتحدد المسؤوليات.
سادساً: حقوق الإنسان ليست ترفاً سياسياً
سيدي الرئيس،
الدولة التي تطلب من المواطن احترام القانون يجب أن تكون أول من يحترم الدستور.
حرية التعبير ليست منّة من الحكومة.
وحق الدفاع ليس امتيازاً تمنحه السلطة.
واستقلال القضاء ليس شعاراً انتخابياً.
والصحافة والحقوقيون والمحامون ليسوا أعداء للدولة.
إنهم خط الدفاع الأول عن دولة القانون.
ولهذا فإن كل تشريع يمس الحقوق والحريات يجب أن يخضع للدستور والمواثيق الدولية ولرقابة المؤسسات المختصة.
سابعاً: المحامي آخر جدار بين المواطن والظلم
أما قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 66.23، فقد شهد مساراً تشريعياً طويلاً ونقاشاً وتعديلات متعددة، وأقره مجلس المستشارين في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026.
وهنا يجب أن يكون موقفنا واضحاً:
نحن مع تنظيم المهنة.
نحن مع محاسبة من يخرق القانون.
نحن مع تخليق مهنة المحاماة.
لكننا ضد أي مقتضى يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإضعاف استقلال المحامي أو تقييد حق الدفاع.
لأن المحامي عندما يدخل قاعة المحكمة، لا يدخل للدفاع عن نفسه فقط.
إنه يدخل للدفاع عن:
المظلوم.
والمعتقل.
والصحفي.
والعامل.
والمواطن الفقير.
والمواطن الذي لا يملك إلا صوته.
ولهذا نقول:
تكميم المحامي يعني تكميم حق الدفاع.
وتكميم حق الدفاع يعني إضعاف العدالة.
وإضعاف العدالة يعني ضرب دولة القانون من الداخل.
ثامناً: مأساة الشباب في سبتة… هنا تسقط كل الحسابات السياسية
هناك ملف لا يمكن أن تغطيه البيانات الحكومية ولا المؤتمرات الصحفية:
أرواح الشباب المغاربة.
المغربي الذي مات وهو يبحث عن حياة أفضل ليس رقماً في تقرير.
إنه ابن وأخ وزوج وأب.
وكل جثمان مغربي ينتظر مصيره في الخارج هو سؤال مفتوح أمام الدولة:
هل قامت السلطات بكل ما يلزم لحماية مواطنيها؟
هل نسقت بما يكفي؟
هل تم تحديد هوية الضحايا؟
هل تم إخبار العائلات؟
هل تم بذل كل الجهود لإعادة الجثامين؟
وهل فُتح تحقيق شفاف في ملابسات الوفيات؟
وقد أعلنت السلطات المغربية، وفق تصريحات منشورة، أنها لا ترفض استلام الجثامين وأن الأمر مرتبط باتفاق واضح مع الجانب الإسباني. ولذلك فإن المسؤولية الدقيقة يجب أن تحددها الوثائق والتحقيقات، لا الخطابات السياسية.
لكن السؤال الإنساني يبقى:
كيف يمكن أن ينام المسؤول مرتاحاً وهناك أم مغربية تنتظر جثمان ابنها؟
هذه ليست قضية حدود.
هذه قضية كرامة الإنسان المغربي.
تاسعاً: إلى من يريد إسكات الشعب
لا يمكن أن تُحل أزمة سياسية بإسكات المنتقدين.
ولا يمكن مواجهة الفقر بالرقابة على الكلام.
ولا يمكن محاربة الاحتقان بمطاردة الأصوات الغاضبة.
ولا يمكن أن يصبح كل من ينتقد الحكومة خائناً أو عدواً للدولة.
الدولة شيء، والحكومة شيء آخر.
انتقاد الحكومة ليس عداءً للوطن.
ومحاسبة الوزير ليست إسقاطاً للدولة.
والاحتجاج على الغلاء ليس جريمة.
والصحافة ليست مؤامرة.
والمحامي ليس خصماً.
والحقوقي ليس عدواً.
بل إن أخطر عدو للدولة هو الفساد عندما يصبح أقوى من القانون.
عاشراً: إلى رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران
إذا كانت هناك اتهامات متبادلة بين رجال الدولة والسياسة، فلدينا مؤسسة واحدة يجب أن تحسم:
القضاء.
من يقول إن شخصاً ارتكب جريمة فعليه أن يقدم الدليل.
ومن يتهمه عليه أن يتحمل مسؤولية كلامه.
ومن تُوجه إليه الاتهامات عليه أن يحتكم إلى القانون.
وهكذا فقط تتحول السياسة من:
«قال فلان وقال علان»
إلى:
«هذه وثيقة، وهذا تحقيق، وهذا حكم قضائي».
نحن لا نريد محاكمات على مواقع التواصل.
نريد محاكمات عادلة إذا توفرت شروطها القانونية.
الحادي عشر: الأحزاب الثلاثة تتحمل المسؤولية السياسية
التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، ليست أحزاباً هامشية في هذه المرحلة.
إنها مكونات الأغلبية الحكومية.
وبالتالي فإن الحديث عن المسؤولية لا ينبغي أن يتوقف عند رئيس الحكومة وحده.
بل يجب أن يمتد إلى:
السياسات الحكومية.
الوزراء.
البرامج.
القرارات.
التحالفات.
التدبير المالي.
والحصيلة السياسية والاجتماعية.
ومن حق المواطن أن يسأل كل حزب:
ماذا وعدتم؟
ماذا فعلتم؟
أين ذهبت الأموال؟
وماذا بقي للمغربي البسيط؟
الثاني عشر: هذه ليست مرافعة للانتقام… إنها مرافعة للعدالة
سيدي الرئيس،
نحن لا نطلب إدانة الحكومة مسبقاً.
ولا نطلب الانتقام من رئيس الحكومة.
ولا نطلب تصفية حسابات سياسية.
نحن نطلب شيئاً أخطر وأقوى:
نطلب الحقيقة.
نطلب:
افتحاصاً.
وتحقيقاً.
ومحاسبة.
ونشراً للوثائق.
واستقلالاً للقضاء.
وحماية للمبلغين والصحفيين والمحامين والحقوقيين.
إذا كانت الحكومة بريئة من كل ما ينسب إليها:
فلتفتح الملفات.
وإذا كان كل شيء سليماً:
فلتكشف الحسابات.
وإذا كانت هناك مخالفات:
فليحاسب المسؤول عنها.
لا حصانة بالمنصب.
لا حماية بالحزب.
لا نجاة بالنفوذ.
الطلبات
وعليه، فإن هذه المحكمة الافتراضية تلتمس من مؤسسات الدولة المختصة:
فتح تحقيقات مستقلة في كل شبهة فساد أو تضارب مصالح أو هدر للمال العام.
إخضاع برامج الدعم العمومي منذ 2021 لافتحاص مالي وإداري وقضائي عند الاقتضاء.
إعادة فتح كل الملفات المتعلقة بسوق المحروقات على أساس البيانات الرسمية والعقود والحسابات.
تدقيق شامل في المديونية العمومية ومردودية الأموال المقترضة.
التحقيق في كل شبهة انتهاك للحقوق والحريات.
ضمان استقلال المحاماة وحق الدفاع.
فتح تحقيق شفاف في ظروف وفيات الشباب المغاربة المرتبطة بأحداث سبتة، وتحديد المسؤوليات بدقة.
تمكين عائلات الضحايا من معرفة الحقيقة ومصير جثامين أبنائها.
إخضاع جميع المسؤولين للمحاسبة دون تمييز بسبب المنصب أو الحزب أو النفوذ.
الكلمة الأخيرة
أيها المغاربة،
قد يختلف الناس في السياسة.
قد يختلفون في الأحزاب.
قد يختلفون في الحكومة والمعارضة.
لكنهم لا يختلفون في شيء واحد:
أن المال العام يجب أن يُحمى.
وأن المواطن يجب أن يُحترم.
وأن المظلوم يجب أن يجد محامياً.
وأن الصحفي يجب أن يستطيع الكلام.
وأن الحقوقي يجب ألا يخاف.
وأن القضاء يجب أن يكون مستقلاً.
وأن المسؤول يجب أن يحاسب.
ولهذا فإن رسالتنا الأخيرة ليست إلى الحكومة وحدها.
إنها إلى الحقوقيين والمحامين والصحفيين والنقابيين والباحثين وشرفاء هذا الوطن:
اجمعوا الوثائق.
وثقوا الوقائع.
افتحوا الملفات.
احتكموا إلى القضاء.
ولا تجعلوا الغضب بديلاً عن الدليل.
وإذا استوفت أي قضية الشروط القانونية، فليستخدم أصحابها كل الآليات القضائية والحقوقية الوطنية والدولية المتاحة، وفق الاختصاص والقانون.
فالمعركة الحقيقية ليست مع شخص.
وليست مع حزب.
وليست مع حكومة فقط.
إنها مع الإفلات من العقاب.
والمغرب الذي نريده ليس مغرب الخوف.
ولا مغرب الصمت.
ولا مغرب النفوذ.
ولا مغرب «أنا فوق القانون».
بل مغرب:
المسؤولية فيه مقرونة بالمحاسبة،
والسلطة فيه خادمة للمواطن،
والمال العام فيه أمانة،
والقضاء فيه مستقل،
والحق فيه أقوى من النفوذ.
وفي هذه المحكمة الافتراضية نقولها بأعلى صوت:
لا نريد إسقاط الدولة… نريد إسقاط الإفلات من العقاب.
لا نريد الانتقام… نريد المحاسبة.
لا نريد محاكمة سياسية… نريد عدالة مستقلة.
ومن يملك دليلاً فليقدمه، ومن يملك سلطة فليحاسَب، ومن كان بريئاً فليثبت براءته أمام القانون.
الدستور، القانون و العدالة فوق الجميع.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





