
بسم الله الرحمن الرحيم
أعده: عبد الرحيم بن بوشعيب مفكير
تقديم :
خلق الله الإنسان وجعله خليفته في الأرض قال تعالى ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ” البقرة الآية ، وأودع فيه سره، ونفخ فيه من روحه قال تعالى ” فإذا سويته ونفخت فيه من روحي …. الآية ” : الحجر 29 ، وأكرمه ونعمه قال تعالى “ ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا الإسراء الآية 70. ولم يتركه لنفسه بل منحه السمع والبصر والفؤاد قال تعالى ” ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر كل أولئك كان عنه مسؤولا” الإسراء الآية 36 ، وأرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين مبلغين الرسالة الإلهية للخلائق كي يعبدوه ، لما فيه صالحهم في الدارين ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون …” الذاريات الآية 56 ، وتحمل هذا العبد المفتقر لربه أمانة أبت السموات والأرض والجبال تحملها ” إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان الآية ..” الأحزاب الآية 72 وكلفه بما يطيق وما يحقق سعادة الدارين، ويزكي نفسه ويرتقي بها عن البهيمية والحيوانية، وأن لا يكون سجين هواه وشهواته ولذاته، وينتصر عليها, قال تعالى “زيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: 14- 17]. ويتحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب الناس. ولن يتحقق ذلك إلا بتزكية النفس وتهذيبها. والناظر في الفرائض والواجبات والعبادات يجد أن لها مقاصد، ومن أهمها تزكية النفس.
في مفهومي التزكية والصلاة:
معنى التزكية:
التزكية لغة: الطهارة والنماء والزيادة.والمراد بها في الشرع: تطهير النفوس وإصلاحها بالعلم النافع والعمل الصالح، وفعل المأمورات وترك المنهيات.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض حديثه عن أمراض القلوب وشفائها: «والزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربَّى بالأغذية المصلحة له، ولا بدّ مع ذلك من منع ما يضرّه فلا ينمو البدن إلَّا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره، وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا» [1] وقد ثبت في تفسير التزكية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه الطبراني في «المعجم الصغير» وغيره عن عبد الله بن معاوية الغاضِري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ ذَاقَ طعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ… وَزَكَّى نَفْسَهُ»، فقال رجل: وما تزكية النفس؟ فقال: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ»[2]
معنى الصلاة:
الصلاة: هي الدعاء؛ وذلك لما فيها من قيام، وركوع، وسجود، وذكر، وتسبيح.
الصلاة: هي البركة والخير، وأي بركة أسمى مِن الخضوع لله كما ينبغي لجلال وجهه؟
الصلاة: هي المغفرة، وسميت بهذا؛ لأن مقصودها نيل الغفران، والفوز برحمة الرحمن سبحانه.
الصلاة: هي الرحمة والثناء؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، فصلاة الله على النبي صلى الله عليه وسلم: رحمته له، وثناؤه عليه.
الصلاة: هي التعظيم؛ وذلك لما فيها من تعظيم لأمره، وتقديس لجلاله سبحانه.
الصلاة: جاءت من التصلية ؛ أي: التقويم، فكأنها تقوِّم العبدَ عمَّا فيه من الاعوجاج والزَّيْغ.
الصلاة: سميتْ بهذا لأنها صلة العبد بربه؛ ولأن العبد بتركها يصل إلى النار، وبفعلها يصل إلى رحمة ربه سبحانه.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: “من ترك الصلاة فلا دين له[3].
الصلاة: سُميت بهذا؛ لأن في أدائها ضمانًا لمواصلة الله نعمه وفضله على عبده؛ قال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].
تزكية النفوس وأهميتها:
لقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة ببيان أهمية تزكية النفوس وما لها من مكانة عالية ومنزلة رفيعة، ولعل من أبرز تلك النصوص وأظهرها قوله تعالى في سورة الشمس: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاه وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهاَ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1 ـ 10]. وقوله تعالى في موضع آخر من الكتاب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾[الأعلى: 14 ـ 15].
كما أخبر الله جل وعلا بفوز من حقق هذه التزكية بالدرجات العلى، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى﴾ [طه: 75 ـ 76].
وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على أنَّ مهمة الرسل كانت دعوة الناس إلى تزكية نفوسهم، قال تعالى لموسى في خطابه لفرعون: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ [النازعات:18].
وقال سبحانه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2].
وأقسم الله بالشمس والقمر والنهار والليل والسماء والأرض ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ أي قد فاز من زكى نفسه وقد خسر من دس نفسه أي أخفاها وقذرها بالمعاصي.
وإذا ذكر الله الزكاة في القرآن من غير لفظ الإيتاء فالمراد بها زكاة النفس مثل قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ سورة المؤمنون الآيات 1/4 أي مداومون كما في تفسير البيضاوي، وقد أشار ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالزكاة في هذه الآية زكاة النفس ورجحه ابن كثير في تفسيره؛ لأن هذه السورة مكية ولم تفرض مقادير الزكوات إلا في المدينة، ومما يدل على ذلك أن الله وصف المؤمنين بتلك الصفات سواء كانوا أغنياء أو فقراء.
وقال الله عن عبده عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ مريم الآية 31 رجح إمام المفسرين الطبري أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس؛ لأن عيسى عليه السلام لم يكن معروفاً بادخار المال حتى تجب عليه زكاة المال.
وأثنى الله على نبيه إسماعيل عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ﴾ مريم 55 أي يأمر جميع أهله بزكاة النفوس سواء كانوا أغنياء أو فقراء، ويأمرهم بإخراج الزكاة إن كانوا أغنياء، وزكاة النفس أهم من زكاة المال، حيث تجب على جميع المسلمين أغنياء أو فقراء، بل إن زكاة المال المقصود بها زكاة النفس كما قال الله سبحانه: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ ﴾التوبة 103، حتى صدقات التطوع المقصود بها زكاة النفس كما قال سبحانه: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾.الليل الآية 9
فجميع العبادات المقصود بها زكاة النفوس، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، وما حرم الله المحرمات إلا لتزكية النفوس، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾، وقال: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ ﴾.
فالله يريد أن يطهرنا ظاهرا وباطنا، ظاهرا كالوضوء والغسل وخصال الفطرة وطهارة البدن والمكان والثياب، وباطنا وهي زكاة الأنفس قال الله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾.
وزكاة النفوس مرادفة لطهارة القلوب، والمقصود بها تطهير القلب من الشرك والمعاصي والأخلاق الرذيلة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾، وتزكية النفوس وإصلاح القلوب من أهم المهمات وأعظم الواجبات ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم “، وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب “.
فالنفس مكمن الشر، فهي أمارة بالسوء، كسِلةٌ عن الخير، نشطة إلى المعاصي، تحب البطالة، نفوسنا كلنا هكذا ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾، قال الله سبحانه: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ وقال: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، وقد حذرنا الله من نفوسنا فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾، وقال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾.
وعلى العاقل أن يصبِّر نفسه على طاعة الله وإن أبت، ويرغمها على فعل الخير وإن كرهت، ويفطمها عن المعاصي والشهوات وإن أحبتها وألفتها، قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾ أي احبسها على الطاعات لأن طبيعتها أنها لا تريدها!!
قـال ابن القيم: «فإن تزكية النفوس مُسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاَّهم إياها، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا… فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم… وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجئ بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان»[4]
وتزكية النفوس تتحقق بأمور كثيرة، ومن أهمها ما يلي:
1 ـ التوحيد: وقد سماه الله تعالى زكاة في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِين الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ [فُصِّلَت: 6 ـ 7]، وهذا التفسير مأثور عن البحر ابن عباس رضي الله عنه حيث قال في قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لا يشهدون أن لا إله إلا الله(4)
قال ابن القيم رحمه الله: «قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء»… إلى أن قال: «فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد» اه(5).
كما سمى الله تعالى الشرك رجسا ووسمه بالنجاسة، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].
فدل مفهوم الآيتين على أن الطهارة والتزكية في التوحيد الخالص لله جل وعلا. ولذلك قال موسى لفرعون وهو يدعوه إلى التوحيد: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾[النازعات: 18 ـ 19].
الصلاة إسراء ومعراج وصلة:
تميّزت أمّة الإسلام عن بقيّة الأمم بأنّها الأمّة الوحيدة التي ارتبطت مع ربّها عزّ وجل بخمس صلواتٍ في اليوم واللّيلة، وهي عدد الصّلوات المفروضة على المسلم، ولا شكّ بأنّ هذه الصّلوات لها آثارها الحميدة في حياة المسلم إلى جانب الأجر والحسنات التي يتحصّل عليها المسلم من أداء تلك الصلوات على وجهها المشروع وفي أوقاتها المعيّنة.
وهي الفريضة الوحيدة التي فرضت في السماء ليلة أسري بخير البرية عليه أفضل الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء حيث رأى بعض آيات ربه الكبرى ” سبحان الذي أسرى بعبده ….” وما كذب الفؤاد ما رأى ” والنجم إذا هوى ” إنها رحلة الروح نحو الخالق، وأفضل هدية جاء بها المصطفى عليه السلام وأول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة ، وصلاحها تصلح به بقية الأعمال، ومن ضيعها كان لسواها أضيع، يرتقي بها العباد في الدرجات العلى، يناجي ربه ويأتيه متضرعا خاشعا منيبا إليه، يرجو رحمته، ويخاف عذابه. في كل يوم يعيش الإسراء والمعراج بروحه إن هو تدبر معاني الصلاة ومقاصدها، واستعد لها بطهور، وجاءها فرحا بلقاء ربه، وقدم بين يديه نافلة ، وتحية مسجد، ومحافظة على الجماعة، وأكثر من الذكر. الصلاة طهارة للبدن والنفس تبتدئ بتكبير ويسبقها نداء وشطر إيمان ” الطهور شطر الإيمان” وهي مناجاة وافتقار ومحبة للباري، وتوحيد وتقديس، وحرية من عبودية العباد، وتنتهي بالدعاء . الصلاة رابطة وصلة واعتراف وطلب مستمر وترق، وتماسك وسير على الطريق السوي ” وأن هذا صراطي مستقيما … ” يقوم العبد الخاشع مغفور لها ” وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ” وثقيلة على أهل النفاق ” وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى … ”
أثر الصلاة في تزكية النفس :
إن غاية العبادات تطهير النفس وتزكيتها، ويقصد الخضوع، والتذلل، فمن أهم مقتضيات العبادة وجود هذا الخضوع والتأله لله رب العالمين، فأصل العبادة: “أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع”. ولكل عبادة مقاصد فمثلا الصيام، المتضمن الامتناع عن المفطرات بأنواعها خلال النهار، له آثاره الروحية على نفس الصائم، فإن “أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت الروحانية، وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية، وكلما أمعن الإنسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوة الجسدانية صار كالبهيمة، وبقي محروماً من آثار المنطق والعقل والمعرفة”، كما أن في الصيام راحة مما يعاني منه غالب الشباب من الضجر والسأم، والإحباط النفسي، إلى جانب الفوائد الصحية المتعددة وأقل فوائده النفسية أنه من أخص خصائص السلوك الإنساني، المُجانب للسلوك الحيواني الذي يتعامل من خلال شريعة معدته، وأقرب ما يكون إلى السلوك الملائكي الروحاني. وهذا الخضوع ينشأ “من استشعار القلب بعظمة المعبود اعتقاداً بأن له سلطاناً لا يدرك العقل حقيقته؛ لأنه أعلى من أن يحيط به فكره أو يرقى إليه إدراكه”
وتمثل الشعائر التعبدية أظهر الشرائع الإسلامية، وأعظم الروافد الروحية، فمن خلالها تزكو النفس، وتترقى في سلم الكمالات البشرية، وتتأهل لمنزلة الإحسان، أرقى منازل العبادة وأعلاها، وبقيام المكلف بها يتم استسلامه لله تعالى، كما أن تركه لها يشعر بانحلال زمام انقياده، ويُنْبئ بتمرده.
وأعظم هذه الشعائر: الصلاة، والصيام، فهما من ألصق العبادات بالإنسان المسلم، وأكثر الشعائر ممارسة في واقع الحياة، فالصلاة أفضل عبادة بعد الإيمان بالله تعالى، وهي من أحب الأعمال إليه، فلو أدِّيت على وجهها كانت ” أفضل ما يُعبِّر عن الشعور بعظمة المعبود وشدة الحاجة إليه،” يقول القرطبي مبيناً أثر الصلاة الروحي: “والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادَّكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطَّلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها”.
وهذا الأثر الروحي لا يحصل إلا بحضور القلب، والاستشراف لجبروت الله تعالى وجلاله العظيم مع محبة وطمأنينة وعندها تظهر آثار الصلاة في النفس في صورة إشراق روحي، وتظهر آثارها في الحياة في صورة انضباط سلوكي، ومصداق ذلك قوله تعالى: {…. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ …} [العنكبوت:45]، يعني ينعكس أثرها الإيجابي سلوكاً واقعياً في الحياة، والإسلام حين شرع العبادات أقوالاً وأفعالاً؛ إنما شرعها لتزكي النفس، وتبعثها على التنزه عن السواقط، وتحثها على الكمالات.
ويلحق بالصلاة الوضوء، فهو من العبادات التي تزكِّي الروح، وتشرح الصدر، وتزيل الأفكار الرديئة، وتمنع التشويشات والقلق، وتشتت الأفكار، كما أن الوضوء على وجهه الصحيح يزيل ما علق ببدن المسلم من أثر المعاصي والخطايا، فتتخفف نفسه من آثار الآثام المظلمة، وترقى روحه، نحو أفق الطهارة والسمو، وتكون رصيداً لتقوية الإيمان بالله تعالى.
إن من آثار الصّلاة في حياة المسلم: الطّمأنينة والرّاحة النّفسيّة:
فالمسلم عندما يقف بين يديّ ربّه عزّ وجل لأداء ركعات معيّنة يشعر برحمات الله تعالى ونفحاته تتنزّل عليه فتملأ قلبه سكينةً وطمأنينة لا يجدها الإنسان في أيّ فعل آخر، وقد عبّر النّبي عليه الصّلاة والسّلام عن هذا الأثر عندما أمر بلال بالتّأذين للصّلاة بقوله (أرحنا بها يا بلال )، فالرّاحة المقصودة هي راحة النّفس والبدن والأركان حيث يشعر المصلّي وكأنّ روحه ردّت إليه من جديد، وهمّته وعزيمته شحذت مرّة أخرى للعمل والإقبال على الحياة.
زيادة الإيمان: فالصّلاة لها آثارها في حياة المسلم حينما يتلّمس زيادة الإيمان في قلبه، وإنّ هذا الأثر مردّه وقوف العبد بين يديّ ربّه واستشعاره لمعاني الخوف والخشية والرّهبة من الله تعالى، وما يولّده ذلك من تقوى وإيمان في النّفس تحثّها على مراقبة لله تعالى في السرّ والعلن.
حبّ الطّاعات والعبادات: فالمسلم الذي يحرص على صلاته ويتلمّس آثارها الطّيبّة في حياته، تراه يدرك لذّة الطّاعة والعبادة فيسارع إلى تأدية بقية العبادات من زكاةٍ وصومٍ وعمرة وعمل صالح ونوافل حتّى يجد آثارها الطّيّبة.
تزكية النّفس وتطهيرها من الأدران والآفات:
فالصّلوات الخمس وكما في الحديث الشّريف هي كالنّهر الذي يكون بباب أحدنا يغتسل منه خمس مراتٍ في اليوم واللّيلة فلا يبقى من درنه شيء، وهذه الطّهارة البدنيّة تؤدّي إلى الطّهارة الرّوحيّة فترى المصلّي يحرص على بقاء نفسه بعيدةً عن المعاصي والآثام حتى يظلّ محافظًا على أجر صلاته وعبادته، وحتّى يحافظ على مستوى التّقوى في قلبه والذي يحثّه على ملازمة الخير والطّاعات في الحياة وحسن التّعامل مع النّاس، واجتناب السّوء والفحشاء.
تعويد المسلم على ارتياد المساجد والاجتماع مع إخوانه المسلمين:
فالمصلّي الحريص على أداء الصّلوات في المساجد تراه يلتقي بإخوانه ويسلّم عليهم، ويبتسم في وجوههم، ويتفقّد أحوالهم، ويدرك معنى الجماعة وأثرها في تعزيز قوّة المجتمع وتعزيز تماسكه، وكلّ ذلك تكون له آثاره الطّيبة في المجتمع المسلم .
إن الصلاة هي من أعظم ما تزكو به النفوس ولذلك قرن الله تعالى بينها وبين التزكية في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14 ـ 15].وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم تطهير الصلاة للنفوس بتطهير الماء للأبدان فعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْس مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فَذَلِكَ مَثل الصَّلَوَات الخَمْس يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا»[5] والصلاة سبيل لترك المعاصي والمحرمات: قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ أي: زكى نفسه بفعل الطاعات، ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من دساها بالفجور والمعاصي. قال ابن القيم: «والمقصود أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [النور:21]، ذكر ذلك سبحانه عقب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكي هو باجتناب ذلك».[6]
والمصلي يحاسب نفسه فيزكيها قال ابن القيم: «فإن زكاة (النفس) وطهارتها موقوف على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح البتة إلا بمحاسبتها…» إلى أن قال: فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيمكنه السعي في إصلاحها» [7] والصلاة كلها فيها يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع ليصلح له نفسه ويزكيها ولذلك كان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا»[8]
ولا خير في صلاة لم يبرز أثرها في سلوك الفرد والمجتمع ، فالصلاة نهي عن المنكر وأمر بالمعروف وبهذا وصى لقمان ابنه ” يا بني أقم الصلاة …..” والصلاة تحقق الأمن الروحي والوجودي والنفسي والاجتماعي، ولذا وجب الحفاظ على البيئة الموفرة لظروفها، بالإصلاح ، والنهي عن الفساد، فإذا اختلت هذه الشروط اختل الأمن الوجودي للأمة وفي حديث رواه أنس بن مالك قال : كان فتى من الأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئا من الفواحش والسرقة إلا ارتكبه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن الصلاة ستنهاه ، فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أقل لكم ”
[1] ــ المجموع» (10/96)
[2] ــ الصحيحة» (1046)
[3] ــ أخرجه محمد بن نصر المروزي في “تعظيم قدر الصلاة” (935)
[4] ــ مدارج السالكين» (2/356)
[5] ــ رواه البخاري (528) ومسلم (283) واللفظ له.
[6] ــ إغاثة اللهفان» (1/49)
[7] ــ مدارج السالكين» (2/576)
[8] ــ رواه مسلم (2722) من حديث زيد بن أرقم.





