الواجهةمجرد رأي

المسؤولية الأخلاقية في منصب رئيسة الحكومة كأول تجربة نسائية

بقلم: فؤاد الورياشي

🔹 تتوالى عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مشاهد متكررة لتبادل الأحضان الحارة، والمصافحة بالخدود، وشد الشفاه بين رئيسة الحزب القائد للتحالف الحكومي ومناصريها وأمناء الأحزاب المشاورين في تشكيل الحكومة. هذه المظاهر، التي باتت تُشاع بشكل مكثف في الفضاء الرقمي والعمومي، تنقل النقاش من دائرة السلوك الفردي العفوي إلى قلب الجدل الفكري والسياسي بالمغرب؛ إذ يُنظر إلى استغلال موقع السلطة التنفيذية لتطبيع هذه السلوكيات كخطوة لتمرير تصورات أيديولوجية ليبرالية دخيلة على البيئة المجتمعية، ومحاولة لفرض واقع قيمي جديد يصطدم مباشرة بمرجعيات الأمة ومبدأ الموازنة بين الأصالة والمعاصرة.

🔹 إن منصب الرئاسة وقيادة العمل الحكومي ليس ملكية خاصة أو مشروعاً ذاتياً يتيح لصاحبه ترجمة قناعاته الثقافية وإرثه التعليمي الغربي على حساب الهوية الجماعية، بل هو منصب تمثيلي أسمى غاياته التعبير عن وقار الشعب وثوابته التي بوّأت المسؤول مقعد القيادة.

🔹 ومن الناحية الشرعية والفكرية، فإن الشريعة الإسلامية قررت أن “التأسّي” جبلّة بشرية تتجه تلقائياً نحو الرؤساء والأعيان، مما يحمّل المسؤولية الأخلاقية والإعلانية لهرم السلطة وزناً مضاعفاً، سيما وأننا بصدد تجربة قيادية نسائية تُتابعها شرائح عريضة من النساء والشباب كنموذج للاقتداء. وحين يتم كسر العرف الاجتماعي الغالب الذي يبجل الحشمة، واستبداله بمظاهر التماس الجسدي الشديد بين الأجانب بدعوى الحداثة، فإن ذلك يمثل خرقاً للأحكام الفقهية الصارمة التي تحمي الفضاء العام وتذم التبذل، فالأصل في التصرفات السلطوية أن تُبنى على الفطرة الإنسانية السوية والعدل الأخلاقي الذي لا يجافي هوية الأمة.

🔹 وتكمن الخطورة البالغة لتكريس هذا النموذج السلوكي في إمكانية تحوله إلى “عدوى مؤسساتية” داخل مرافق الدولة؛ فإشاعة هذه المشاهد من فوق هرم السلطة تمنح شرعية ضمنية لتطبيع العلاقات بين الموظفين والموظفات، عازبين ومتزوجين، في محافل العمل اليومي بدعوى عفوية الزمالة، مما يهدد بتفكيك الضوابط الأخلاقية والمهنية داخل الإدارات العمومية وتقويض هيبتها. إن الاستناد إلى أحكام الشريعة في معالجة هذه المستجدات ليس تجريداً نظرياً جافاً، بل هو إعمال لآليات فقهية دقيقة تتغيى تحقيق التكامل المعرفي بين علوم الشريعة ومواكبة النوازل المجتمعية المعاصرة عبر النقد المتماسك والمباشر لكل ما يمس السلم الأخلاقي.

🔹 إن المعاصرة الحقة لا تعني استعارة الأنماط السلوكية الغربية التي تصدم الوجدان الجمعي وتخرق طهارة الفضاء العام، بل تتجلى في تجويد الأداء، وتحديث آليات التدبير، وتحقيق التنمية، وتطوير العلوم وتوفير العمل وتجويده، مع رعاية كاملة للأصالة المتمثلة في صيانة الثوابت الدينية والوقار المغربي المعهود؛ فاللاتزان السياسي والانسياق وراء النزوع الأيديولوجي يفصل المسؤول عن نبض مجتمعه ويقوض أركان الهوية الجماعية، في حين أن الأمانة السياسية والمسؤولية الشرعية تفرض عليه أن يكون حارساً لقيم الأمة، ومثالاً يحتذى به في العفة والانضباط والالتزام بالخصوصية الحضارية للوطن.

✍️ الأستاذ فؤاد الورياشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى