نبيل بنعبد الله.. من محاربة «التحكم» إلى الارتماء في أحضانه: هل سقطت المبادئ أمام إغراء المناصب؟
بقلم: عزيز الدروش – محلل وفاعل سياسي

من خطاب المواجهة إلى مفاوضات التحالف.. أين اختفت الذاكرة السياسية؟
في السياسة، قد تتغير التحالفات، وقد تفرض موازين القوى مراجعة بعض المواقف، لكن ما لا يمكن تبريره بسهولة هو أن يتحول خصم الأمس إلى شريك اليوم، من دون تقديم تفسير سياسي مقنع للرأي العام، خصوصاً عندما يكون الخلاف السابق قد تجاوز حدود التنافس الانتخابي ليصل إلى التشكيك في طبيعة المشروع السياسي للخصم.
وهذا بالضبط ما يطرح نفسه اليوم أمام نبيل بنعبد الله، الأمين العام الغير الشرعي لحزب التقدم والاشتراكية، الذي خاض لسنوات معارك سياسية وإعلامية ضد حزب الأصالة والمعاصرة، ووجّه إليه انتقادات حادة، وربط مشروعه السياسي بما كان يسميه «التحكم»، قبل أن يصبح التقارب معه موضوعاً للنقاش في سياق المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان من حق حزب التقدم والاشتراكية أن يتحالف مع الأصالة والمعاصرة؛ فهذا حق سياسي لا ينازع فيه أحد. السؤال الحقيقي هو: ما الذي تغير في حزب الأصالة والمعاصرة حتى يصبح التقارب معه ممكناً؟ هل تغير المشروع السياسي الذي انتقده بنعبد الله *التحكم*، أم تغيرت الحسابات التي تحكم قرارات القيادة؟
إنها مساءلة سياسية مشروعة، لأن من يرفع شعار محاربة التحكم والدفاع عن الديمقراطية مطالب بأن يوضح للرأي العام كيف ينسجم خطابه السابق مع خياراته الحالية.
أولاً: 2015 و2016.. عندما كان الأصالة والمعاصرة في مرمى نيران بنعبد الله
لم يكن الصراع بين نبيل بنعبد الله والأصالة والمعاصرة خلافاً عابراً حول مقاعد انتخابية أو مواقع داخل المؤسسات.
ففي أكتوبر 2015، نقلت وسائل إعلام تصريحات لبنعبد الله انتقد فيها ممارسات الحزب خلال المنافسة الانتخابية، وأثار تساؤلات بشأن التأثير في إرادة الناخبين. وفي ماي ويوليوز 2016، تصاعدت حدة خطابه، وتحدث عن مخاطر التحكم في المشهد السياسي، ووجّه انتقادات شديدة إلى المشروع السياسي للأصالة والمعاصرة.
كما أثارت تصريحاته بشأن فؤاد عالي الهمة، الذي ارتبط اسمه بتأسيس حركة لكل الديمقراطيين ثم حزب الأصالة والمعاصرة، جدلاً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
هذه التصريحات، التي تستحق العودة إلى نصوصها الأصلية وسياقاتها الصحفية، تكشف أن بنعبد الله لم يكن يقدم خلافه مع الأصالة والمعاصرة باعتباره مجرد منافسة بين حزبين، بل كان يطرحه باعتباره خلافاً حول طبيعة الممارسة السياسية وحدود النفوذ والتحكم في الحياة الحزبية.
ومن هنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لمن بنى جانباً مهماً من خطابه على مواجهة هذا المشروع أن يتجه اليوم نحو التقارب معه، دون مراجعة معلنة للمواقف السابقة؟
إذا كانت تلك المواقف مبنية على معطيات يعتبرها صحيحة، فما الذي تغير؟ وإذا كان قد راجع تقييمه السابق، فمن حق المغاربة أن يعرفوا أسباب هذه المراجعة.
فالمواقف السياسية ليست تصريحات للاستهلاك الإعلامي، ولا يجوز أن تتحول المبادئ إلى شعارات موسمية تنتهي صلاحيتها عند اقتراب موعد توزيع الحقائب الوزارية.
ثانياً: الأصالة والمعاصرة.. هل تغير الحزب أم تغيرت المصالح؟
إن حزب الأصالة والمعاصرة، بتاريخه السياسي وصلته بنشأة حركة لكل الديمقراطيين، كان موضوع انتقادات واسعة من أطراف سياسية مختلفة، بسبب ما اعتبرته تلك الأطراف مخاطر على التعددية واستقلال القرار الحزبي.
ولا يعني ذلك أن كل الاتهامات الموجهة إليه حقائق ثابتة، أو أن كل مناضليه مسؤولون عن الممارسات التي ينتقدها خصومه. لكن المؤكد أن العلاقة بين بنعبد الله والحزب شهدت مواجهة سياسية معلنة، وأن العودة إلى تصريحات الأمين العام للتقدم والاشتراكية تضع القيادة اليوم أمام ضرورة تفسير التحول.
فإذا كان الأصالة والمعاصرة قد راجع ممارساته أو قدم ضمانات سياسية جديدة، فما هي هذه المراجعات والضمانات؟ وهل أصبحت الديمقراطية الداخلية، واستقلال الأحزاب، ونزاهة المنافسة الانتخابية، محاور واضحة في أي تفاوض بين الطرفين؟
أما إذا لم يتغير شيء جوهري في تقييم بنعبد الله السابق، فإن التقارب يصبح بحاجة إلى تفسير أكثر إقناعاً من مجرد الحديث عن المصالح المشتركة أو الضرورات السياسية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الحزبي هو أن يصبح الخصم «خطراً على الديمقراطية» عندما نختلف معه، ثم يتحول إلى شريك مقبول عندما تلوح إمكانية المشاركة في الحكومة.
وهنا لا نتحدث عن منع التحالفات، بل عن ضرورة احترام الذاكرة السياسية، ومصارحة المواطنين، وعدم التعامل مع المبادئ باعتبارها أوراقاً قابلة للاستعمال والتخلص منها وفقاً لموازين القوى.
ثالثاً: العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار.. هل تكون المعارضة موقفاً مشرفاً؟
في مقابل الجدل الذي يثيره احتمال التقارب بين التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، يبرز موقف حزب العدالة والتنمية، وكذلك موقف تحالف فيدرالية اليسار، باعتبارهما موضوعين يستحقان المقارنة السياسية.
فالموقف الذي يتجه إلى رفض المشاركة في تحالف لا ينسجم مع المرجعية أو التقييم السياسي للحزب قد يكون موقفاً مشرفاً، متى كان مبنياً على قناعة واضحة ومعلنة، لا على مجرد حسابات انتخابية ظرفية.
والأمر نفسه ينطبق على فيدرالية اليسار، التي يحق لها أن تتمسك باستقلال قرارها السياسي، وأن ترفض التحالفات التي ترى أنها تتعارض مع مشروعها أو مع التزاماتها أمام الناخبين.
لكن المعيار لا ينبغي أن يكون تمجيد المعارضة في حد ذاتها، ولا اعتبار المشاركة الحكومية خيانة تلقائية للمبادئ. فقد تكون المعارضة موقفاً مسؤولاً، وقد تكون المشاركة وسيلة فعالة لتحقيق إصلاحات ملموسة.
الفيصل الحقيقي هو مدى الانسجام بين الخطاب والممارسة، ومدى استعداد الحزب لتحمل تبعات قراره ومحاسبة قيادته عليه.
إذا اختار العدالة والتنمية المعارضة بسبب رفضه التحالف مع أطراف يعتبرها بعيدة عن مرجعيته السياسية، فمن حقه أن يشرح موقفه وأن يخضع هو الآخر للمحاسبة. وإذا اختارت فيدرالية اليسار عدم الانخراط في تحالفات لا تنسجم مع مشروعها، فإن قيمة موقفها تتحدد بمدى ثباتها على التزاماتها وقدرتها على تقديم بديل سياسي مقنع.
أما أن يرفع حزب شعارات مواجهة التحكم لسنوات، ثم يتجه إلى التقارب مع الطرف الذي كان ينتقده، دون تفسير واضح، فذلك يفتح باباً مشروعاً للمساءلة.
إن الأخلاق السياسية لا تعني رفض الحوار أو التحالف، بل تعني أن يكون لكل تحالف أساس معلن، وبرنامج قابل للتنفيذ، وحدود لا يجري تجاوزها مقابل المناصب.
رابعاً: لا يجوز تحميل التجمع الوطني للأحرار وحده مسؤولية حصيلة الحكومة
ومن الإنصاف السياسي أيضاً رفض اختزال مسؤولية الحكومة في حزب التجمع الوطني للأحرار وحده، أو تقديمه باعتباره المسؤول الوحيد عن جميع الاختلالات التي عرفتها المرحلة الحكومية.
فالحكومة التي قادها عزيز أخنوش قامت على تحالف بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. وهذه الأحزاب الثلاثة شاركت في الأغلبية، وتحملت بدرجاتها مسؤولية دعم البرنامج الحكومي والتصويت على القوانين والمساهمة في القرارات الحكومية.
وعليه، فإن تحميل الأحرار وحده مسؤولية السياسات الحكومية، مع إعفاء الأصالة والمعاصرة والاستقلال، يمثل اختزالاً سياسياً لا ينسجم مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإذا كانت هناك اختلالات في القدرة الشرائية أو التشغيل أو الصحة أو التعليم، أو نقاشات بشأن الدعم العمومي وتضارب المصالح، فإن المساءلة ينبغي أن تشمل الحكومة ومكوناتها بحسب مسؤولية كل طرف واختصاصاته ومواقفه الفعلية.
ولا يجوز أن تتحول المعارضة السياسية إلى وسيلة لتبرئة حزب شارك في الأغلبية، أو إلى أداة لتوزيع المسؤولية وفقاً للمصلحة الانتخابية.
ومن هنا يطرح التقارب المحتمل بين التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة سؤالاً إضافياً: ما التقييم الذي يقدمه بنعبد الله لحصيلة الحزب الذي قد يتحالف معه؟ وما موقفه من السياسات التي شارك الأصالة والمعاصرة في دعمها داخل الأغلبية؟
هل سيقدم نقداً موضوعياً للحصيلة الحكومية، أم سيكتفي بالحديث عن مرحلة جديدة تتطلب تجاوز الخلافات السابقة؟
إن المسؤولية الحكومية لا تُمحى بتغيير التحالفات، كما أن المشاركة في الحكومة لا تعفي أي حزب من المحاسبة على مواقفه وتصويته واختياراته.
خامساً: الفراقشية والدعم العمومي.. أين مسؤولية الحلفاء؟
عندما يثار موضوع الفراقشية والمضاربة والاختلالات المحتملة في توزيع الدعم العمومي، فإن المطلوب ليس توجيه الاتهامات بصورة عامة، بل البحث في القرارات والسياسات وآليات المراقبة، وتحديد مسؤولية المؤسسات والأحزاب المشاركة في اتخاذ القرار.
فالأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال كانا جزءاً من الأغلبية الحكومية، وبالتالي فإن تقييم حصيلة الحكومة لا يمكن أن يتجاهل دورهما السياسي والمؤسساتي.
وإذا كانت هناك ملفات تتعلق باستفادة شركات أو مستثمرين من الدعم العمومي، فمن الواجب المطالبة بالشفافية والكشف عن المعايير والنتائج، والتحقيق في أي شبهة فساد متى توافرت معطيات جدية.
لكن لا يجوز تحويل الانتقاد السياسي إلى إدانة جماعية دون أدلة، كما لا يجوز استعمال شعارات مكافحة الفساد لتصفية الحسابات مع حزب وإعفاء آخر.
وهنا تبرز أهمية استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وضرورة إخضاع المال العام للمحاسبة، أياً كانت الجهة المستفيدة أو الحزب الذي تنتمي إليه.
فالمغاربة لا ينتظرون من الأحزاب تبادل الاتهامات، بل يريدون معرفة من اتخذ القرار، ومن استفاد منه، وما النتائج التي تحققت، ومن يتحمل المسؤولية عند ثبوت الاختلالات.
سادساً: هل يبحث بنعبد الله عن مشروع سياسي أم عن ضمان موقعه داخل الحكومة؟
إن اقتراب الاستحقاقات التنظيمية لحزب التقدم والاشتراكية يجعل مسألة القيادة ومستقبل الحزب جزءاً من النقاش السياسي المشروع.
فمن حق المناضلين أن يسألوا عن حصيلة القيادة، وعن أسباب تراجع الحزب أو تقدمه انتخابياً، وعن مدى احترام الديمقراطية الداخلية، وعن طبيعة الخيارات التي تُعرض عليهم.
ومن حقهم كذلك أن يناقشوا ما إذا كانت المشاركة الحكومية، إن تحققت، ستخدم مشروع الحزب ومصالح المواطنين، أم ستتحول إلى غاية في حد ذاتها.
لكن من الضروري التمييز بين السؤال المشروع عن دوافع القرارات وبين الجزم بنوايا شخصية لا تتوافر بشأنها أدلة كافية.
فمجرد رغبة الأمين العام في المشاركة الحكومية لا تثبت أنه يسعى إلى ضمان استمرار قيادته للحزب. غير أن تزامن المفاوضات السياسية مع الاستحقاقات التنظيمية يجعل الشفافية والمحاسبة أكثر أهمية.
وإذا كان بنعبد الله مقتنعاً بأن التقارب مع الأصالة والمعاصرة يخدم مشروع الحزب، فعليه أن يقدم للمناضلين برنامجاً واضحاً، وأن يشرح شروط المشاركة، وأن يحدد النتائج التي سيلتزم بتحقيقها.
أما إذا كان الحزب سيدخل الحكومة دون برنامج اجتماعي وديمقراطي واضح، ودون التزامات قابلة للمحاسبة، فإن الشكوك بشأن تحول المشاركة إلى مجرد هدف سياسي ستصبح أكثر قوة.
الحزب الذي يملك مشروعاً مستقلاً لا يخشى عرض شروطه على الرأي العام، ولا يحتاج إلى التضحية بذاكرته السياسية كي يجد له مكاناً داخل الأغلبية.
سابعاً: هل أصبح حزب التقدم والاشتراكية مجرد دكان سياسي؟
هذا السؤال القاسي لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على جميع مناضلي الحزب، الذين قد تكون لهم مواقف وتجارب مختلفة، لكنه يعبر عن أزمة ثقة ينبغي التعامل معها بجدية.
فحزب التقدم والاشتراكية يمتلك تاريخاً يسارياً، وارتبط اسمه بالدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفئات الشعبية والحريات الديمقراطية.
لكن التاريخ النضالي لا يمنح أي قيادة حصانة دائمة، ولا يعفي الحزب من ضرورة تجديد مشروعه ومراجعة خياراته.
فما قيمة المرجعية اليسارية إذا لم تنعكس على السياسات الاجتماعية؟ وما جدوى الحديث عن الديمقراطية إذا لم تُحترم داخل التنظيم؟ وما معنى مواجهة التحكم إذا كان الحزب مستعداً للتقارب مع من كان يعتبره عنواناً له، دون تقديم مراجعة سياسية واضحة؟
إن الحزب الذي لا يحدد شروطاً للمشاركة، ولا يعلن برنامجاً تفاوضياً، ولا يربط تحالفاته بمكاسب اجتماعية وديمقراطية ملموسة، يخاطر بأن يتحول في نظر المواطنين إلى تنظيم يبحث عن موقع داخل المؤسسات أكثر مما يبحث عن تغيير السياسات.
ولا يكفي الرد على هذه الانتقادات باستحضار الماضي أو تعداد المواقف التاريخية. المطلوب هو إثبات أن الحزب لا يزال قادراً على تقديم بديل يساري مستقل، وأن قراراته تخدم المواطنين قبل أن تخدم استمرار القيادة أو توسيع حضورها المؤسساتي.
ثامناً: ما الذي ينبغي أن يوضحه نبيل بنعبد الله؟
قبل أي اتفاق نهائي مع الأصالة والمعاصرة، هناك أسئلة أساسية تستحق جواباً واضحاً:
هل ما زال بنعبد الله مقتنعاً بتقييماته السابقة لمشروع الأصالة والمعاصرة؟ وإذا كان قد راجعها، فما أسباب المراجعة؟
ما الشروط السياسية والاجتماعية والديمقراطية التي سيضعها التقدم والاشتراكية أمام أي مشاركة حكومية؟
كيف سيقيّم مسؤولية الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال عن حصيلة الأغلبية السابقة؟
ما الضمانات التي ستمنع تحول المشاركة إلى مجرد اقتسام للمناصب؟
هل ستناقش المؤسسات الحزبية هذه الخيارات بحرية، وهل ستكون لها الكلمة الفعلية في اتخاذ القرار؟
ما الذي سيقدمه الحزب للمغاربة في الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل شروط أساسية لبناء الثقة بين الأحزاب والمواطنين.
فالأمين العام ليس مالكاً للحزب، والتحالفات الكبرى ليست شأناً شخصياً، والمرجعية السياسية ليست ملكاً للقيادة وحدها.
ومن حق المناضلين أن يعرفوا لماذا يتغير الموقف، ومن حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي سيكسبونه من هذا التغيير.
الخاتمة: المبادئ لا تُقاس بعدد الحقائب الوزارية
إن الموقف من التحالفات الحكومية لا ينبغي أن يُختزل في معارضة من أجل المعارضة، ولا في المشاركة من أجل المشاركة. فالسياسة الحقيقية هي القدرة على التأثير في القرارات، والدفاع عن المصالح الاجتماعية، وتوسيع الديمقراطية، وربط السلطة بالمحاسبة.
لكن عندما ينتقل حزب من خطاب شديد ضد خصم سياسي إلى التقارب معه، فإن عليه أن يشرح أسباب هذا التحول، وأن يثبت أن المراجعة مبنية على معطيات وبرنامج وضمانات، لا على مجرد حسابات ظرفية.
إن موقف العدالة والتنمية، وموقف فيدرالية اليسار، يستحقان التقييم وفق مدى انسجامهما مع المرجعية والالتزامات المعلنة. كما أن موقف التقدم والاشتراكية يستحق المساءلة وفق المعيار نفسه، دون إعفاء أي طرف من المحاسبة أو منحه صك براءة مسبقاً.
ولا يمكن تحميل التجمع الوطني للأحرار وحده مسؤولية حصيلة حكومة شارك فيها الأصالة والمعاصرة والاستقلال، كما لا يمكن إعفاء أي حزب من مسؤوليته لمجرد تغيير موقعه السياسي.
أما نبيل بنعبد الله، فالمطلوب منه اليوم ليس فقط إقناع الرأي العام بجدوى التحالف المحتمل، بل الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن التوفيق بين المواقف التي دافع عنها لسنوات وبين الخيارات التي يتجه إليها اليوم؟
فالأحزاب لا تُقاس بعدد المقاعد التي تحصل عليها، ولا بعدد الحقائب التي تنالها، وإنما بمدى وفائها للمبادئ التي أعلنت الدفاع عنها، وبما تقدمه للمواطنين من نتائج ملموسة.
إن السياسة ليست حرفة لتبرير التناقضات، ولا سوقاً لتبادل المواقع، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية أمام الشعب.
فإذا كان التحالف مع الأصالة والمعاصرة يخدم فعلاً مشروعاً يسارياً ديمقراطياً، فليقدم بنعبد الله الدليل من خلال برنامج واضح وشروط معلنة وضمانات قابلة للمحاسبة. أما إذا كانت الغاية هي المشاركة في الحكومة دون التزامات جوهرية، فإن من حق المناضلين والمغاربة أن يسألوا: أين انتهت المبادئ، وأين بدأت حسابات المناصب؟
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى





