غابت المنصوري وحضر عالي الهمة، فمن يحكم فعلاً ؟
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في المغرب، تتسارع الأحداث السياسية بوتيرة لافتة؛ فمن الإعلان عن نتائج الانتخابات، إلى افتتاح البرلمان وتشكيل الحكومة وتقديم برنامجها، وصولاً إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027، تتوالى المحطات الرسمية بسرعة. وبالتوازي، يعقد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت اجتماعات مع قادة الأحزاب السياسية للتحضير للانتخابات المقبلة.
وفي خضم هذا التسارع، يأتي اجتماع العمل الملكي المخصص لتقدم أشغال المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط، في غياب فاطمة الزهراء المنصوري، التي كانت في موسكو، مقابل حضور المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة وجلوسه إلى يمين الملك محمد السادس.
إن اجتماعاً من هذا النوع، ما دام لم يُعلن عن طابعه الاستعجالي، كان يمكن أن يُطرح بشأنه سؤال التأجيل إلى حين حضور رئيسة الحكومة. لكن انعقاده في هذا التوقيت، وبحضور عالي الهمة وغياب المنصوري، يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية تتجاوز البروتوكول والصورة إلى دلالات النفوذ ومراكز صناعة القرار في المغرب.
عالي الهمة في قلب المشهد، والمنصوري في الواجهة فقط؟
ليست المسألة مجرد صورة عابرة، بل مشهد يثير سؤالاً جوهرياً: هل تعكس هذه اللحظة استمرار نفوذ فؤاد عالي الهمة في توجيه المشهد السياسي، في وقت تتولى فيه الحكومة مسؤولية التدبير أمام المواطنين؟
إن التزامن بين التحضير لانتخابات 2027، واجتماعات وزارة الداخلية مع الأحزاب، وظهور القوي و اللفت لعالي الهمة في هذا الاجتماع الملكي، يفتح المجال لقراءة سياسية مفادها أن حزب الأصالة والمعاصرة قد يكون جزءاً من رهانات المرحلة المقبلة. لكن هذه المؤشرات، في حد ذاتها، لا تثبت وجود قرار باكتساح الحزب للانتخابات المقبلة، ولا تثبت أن عالي الهمة هو رئيس الحكومة الفعلي و أن المنصوريمجرد ديكور ديمقراطي.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تمارس الحكومة كامل صلاحياتها السياسية، أم أن هناك مراكز نفوذ أخرى تؤثر في اتجاهات القرار؟ وإذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري تتولى موقعاً سياسياً في واجهة المشهد، فما حدود دورها الفعلي في صناعة القرار؟
الأحزاب السياسية، مؤسسات ديمقراطية أم ديكور سياسي؟
هنا تكمن المشكلة الأعمق. حين تصبح الانتخابات مجرد تنافس على المقاعد والمناصب والامتيازات والحصانة القانونية من المسائلة ، دون وضوح في مراكز القرار وحدود المسؤولية، تتحول الأحزاب في نظر المواطنين إلى واجهات تؤثث المشهد السياسي، وتمنح انطباعاً بوجود تعددية ديمقراطية وهمية ، بينما تظل الأسئلة الحقيقية حول السلطة والنفوذ دون أجوبة واضحة.
الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، وليست صوراً واجتماعات وتصريحات رسمية. الديمقراطية تعني أن تكون المؤسسات المنتخبة قادرة على ممارسة صلاحياتها، وأن يعرف المواطن من يقرر، ومن يدبر، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن النتائج.
الخلاصة: غابت المنصوري وحضر عالي الهمة، فاشتعل السؤال السياسي من جديد: من يحكم فعلاً، ومن يملك القرار الأخير؟
إن المغرب لا يحتاج إلى واجهات سياسية وهمية، بل إلى مؤسسات ديمقراطية حقيقية، وأحزاب مستقلة في قراراتها و زعماء وطنيين و نزهاء و ديمقراطيين، وحكومة تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام الشعب و تحاسب المفسدينوناهبي المال العام. أما أن تتسع المسافة بين من يظهر في الواجهة ومن يُعتقد أنه يؤثر في القرار، فذلك يظل مدخلاً مشروعاً للنقاش حول حقيقة الممارسة الديمقراطية وحدودها.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





