«أبّا الحاضي» لنورالدين حنيف أبوشامة: شعر الكثافة الاستعارية والحكمة الراقية
«أبّا الحاضي» لنورالدين حنيف أبوشامة: شعر الكثافة الاستعارية والحكمة الراقية

في تجربة الشعر، يتأرجح فعل القراءة بين متعة التلقي وجدية الفحص، بين الانفعال الجمالي الذي تستثيره الصورة الشعرية، والتأمل الفكري الذي يستنطق النصوص ويكشف عن طبقاتها الدلالية ومقاصدها العميقة، وإذا كانت القراءة العاشقة تنظر إلى الإبداع بوصفه متعة نفسية وروحية، فإن القراءة الفاحصة تتعامل معه باعتباره خطابًا جماليًا وفكريًا، تتداخل فيه المعاني المعلنة والضمنية، وتتعدد داخله إمكانات التأويل، غير أن بعض التجارب الإبداعية تتجاوز هذا الفصل، فتستدعي القراءتين معًا، وتمنح القارئ فرصة الاستمتاع بالنص واستثمار ما يختزنه من رؤى وأفكار.
ويبدو هذا التداخل جليًا في تجربة المبدع المغربي نورالدين حنيف أبوشامة، الذي يقدّم في إضمامته الزجلية «أبّا الحاضي» نموذجًا لكتابة شعرية تنفتح على الوجدان، وتستبطن في الوقت نفسه أسئلة الإنسان والحياة والمجتمع. فنحن أمام تجربة لا تحصر نفسها في جنس أدبي واحد، ولا تستقر عند شكل تعبيري محدد؛ إذ راكم صاحبها خبرة إبداعية متعددة شملت القصيدة العمودية، وشعر التفعيلة، والشعر المنثور، والزجل، فضلًا عن الكتابة الروائية والدراسات النقدية، التي تكشف عن خلفية معرفية ومنهجية تسند الممارسة الإبداعية وتغنيها.
إن هذا التعدد لا يمثل مجرد تنوع في الأشكال والأنواع، بل يعكس قدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية المختلفة، وتحويلها إلى أدوات لرصد التجربة الإنسانية والتعبير عن مواقفها وانشغالاتها.
ومن هنا تكتسب إضمامة «أبّا الحاضي» أهميتها، باعتبارها فضاءً تتفاعل فيه الصورة الشعرية مع الحكي، وتتعانق فيه الدلالة مع الإيحاء، وتتحول فيه القصيدة إلى لوحة فنية مشبعة بالرؤى والمواقف والخلفيات الإنسانية العميقة.
تنهض اللوحات الزجلية في «أبّا الحاضي» على كثافة استعارية تمنح اللغة طاقتها الإيحائية، وتحررها من حدود التعبير المباشر نحو آفاق أرحب من التصوير والتأويل، فالاستعارة هنا ليست مجرد زينة بلاغية أو وسيلة لتحسين العبارة، بل هي مكوّن أساسي في بناء التجربة الشعرية، وأداة لإعادة تشكيل الواقع داخل المخيلة.
وتنبع قيمة هذه الكثافة من ارتباطها بالمعجم الذي يستمد عناصره من المجال التداولي للنص، بما يضمن للصورة الشعرية صلتها ببيئتها الثقافية والاجتماعية، دون أن يحولها إلى مجرد انعكاس حرفي للواقع. وهكذا تتجاوز الاستعارة وظيفتها التزيينية لتغدو حاملًا للرؤية، ومجالًا تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وتتجاور فيه بساطة التعبير وعمق الدلالة.
إن الشاعر، وهو ينسج صوره، لا يكتفي بنقل الأشياء كما تبدو، وإنما يعيد بناءها وفق حساسية جمالية خاصة، تجعل من اللغة مجالًا لاكتشاف المعنى، ومن الصورة نافذة على ما يتوارى خلف الظاهر من أحاسيس ومواقف ودلالات.
من الخصائص اللافتة في هذه الإضمامة حضور الحكي الشعري، حيث تتجاوز النصوص حدود النظم القائم على الإيقاع والتعبير الوجداني لتقترب من بناء مشاهد ومواقف تتداخل فيها الذات بالموضوع، والذاكرة بالواقع، والتجربة الفردية بمحيطها الإنساني.
وأمام هذه اللوحات، يجد القارئ نفسه إزاء مقاطع شعرية تنطوي على حكايات جزئية، تتشكل من تفاصيل وإشارات ومواقف، وتترك للمتلقي مهمة وصل عناصرها واستكمال ما لم تصرح به. وبهذا المعنى، لا تنحصر القصيدة في لحظة شعورية معزولة، بل تنفتح على حدث أو تجربة أو وضع إنساني، يمنحها امتدادًا سرديًا يثري بنيتها ويضاعف إمكانات قراءتها.
وإذا كانت كل لوحة تحمل حكايتها الخاصة، فإن الإضمامة بمجملها تنتظم ضمن أفق دلالي أشمل، يسهم العنوان العام «أبّا الحاضي» والعناوين الفرعية في تحديد معالمه، ومن ثم، تصبح العلاقة بين النصوص علاقة تكامل وتجاور، تتآزر فيها الجزئيات لتكوين صورة أوسع، وتتحول الإضمامة إلى فضاء تتعدد فيه الحكايات دون أن تفقد وحدتها الفنية.
تتميز الكتابة في «أبّا الحاضي» بانسيابية تجعل الانتقال بين الصور والمعاني يبدو طبيعيًا، بعيدًا عن التعقيد المصطنع أو الاستعراض اللغوي. فالشاعر لا يبدو منشغلًا بإثبات قدرته على القول بقدر انشغاله بإيصال تجربته في صيغة فنية تستجيب لخصوصيتها وتنسجم مع طبيعة موضوعها.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار المفهوم النقدي القديم الذي يصف الشاعر بأنه «مطبوع»، أي صاحب موهبة تتدفق فيها العبارة عن سجية، قبل أن نعيد صياغة الدلالة بلغة معاصرة فنقول إنه شاعر موهوب يمتلك أدواته التعبيرية، ويعرف كيف يوظفها دون أن يثقل النص بما يعيق انسيابه.
ولا تعني هذه الانسيابية غياب الصنعة الفنية، وإنما تعني نجاح الشاعر في جعل الصنعة غير متكلفة، بحيث تبدو الصورة في موضعها، وتأتي العبارة منسجمة مع إيقاع التجربة، ويظل النص وفيًا لنبضه الداخلي. إنها كتابة توحي بالبساطة، لكنها لا تتخلى عن العمق، وتستمد قوتها من التوازن بين عفوية التعبير والوعي بالبناء.
تتجلى الكتابة الشذرية في عدد من المقاطع التي يكتفي فيها الشاعر بالإشارة بدل الإسهاب، وباللمحة بدل الشرح، وبالعبارة المكثفة بدل الاسترسال. وتنبع أهمية هذا الاختيار من قدرته على فتح النص أمام احتمالات متعددة للقراءة، إذ لا يقدم المعنى مكتملًا ومغلقًا، وإنما يترك فراغات دلالية تستدعي مشاركة القارئ في إنتاجه.
إن الشذرة الشعرية، بما تتسم به من اختزال، لا تعني بالضرورة نقصًا في التعبير، بل قد تكون سبيلًا إلى مضاعفة أثره. فالكلمات القليلة قادرة على استحضار تجربة كاملة، والإشارة العابرة قد تختزن موقفًا إنسانيًا أو حكمة تتجاوز حدود اللحظة التي قيلت فيها.
ومن هنا، تكتسب المقاطع الشذرية في «أبّا الحاضي» قيمتها من العلاقة بين اقتصاد العبارة واتساع المعنى؛ إذ يترك الشاعر للمتلقي مجالًا للتأمل، ويمنح النص قدرة على الاستمرار خارج حدوده اللغوية المباشرة. وهكذا تتحول القراءة إلى فعل مشاركة، لا يكتفي فيه القارئ بتلقي المعنى، بل يسهم في بنائه واكتشاف أبعاده.
تكشف هذه الخصائص مجتمعة عن تجربة زجلية تستثمر إمكانات اللغة والصورة والحكي والتكثيف لبناء خطاب شعري يتجاوز حدود التعبير المباشر. فالكثافة الاستعارية تمنح النصوص غناها التصويري، والحكي الشعري يربطها بالمواقف والتجارب الإنسانية، والانسيابية تحافظ على عفوية الأداء، فيما تفتح الكتابة الشذرية آفاقًا إضافية للتأويل.
وبهذا التضافر، تتشكل خصوصية «أبّا الحاضي»، لا باعتبارها مجموعة من النصوص المتجاورة فحسب، بل باعتبارها إضمامة تتفاعل داخلها أشكال التعبير لتنتج رؤية شعرية متعددة الأبعاد. وهي رؤية تستمد قوتها من قدرتها على الجمع بين المحلي والإنساني، وبين التعبير الجمالي والتأمل الفكري، وبين ما تقوله القصيدة صراحة وما تتركه في فضاء الإيحاء.
إن نورالدين حنيف أبوشامة، في هذه التجربة، يقدم كتابة لا تتوسل الادعاء ولا تتكئ على المبالغة، وإنما تراهن على طاقة الصورة، وعمق الحكاية، وصدق التجربة، وحكمة العبارة، ولعل هذا ما يجعل قراءة «أبّا الحاضي» مناسبة لاكتشاف مسالك إبداعية تتجاور فيها المتعة والمعرفة،
وتتداخل فيها حساسية الشاعر مع خبرة الكاتب والناقد، في صياغة زجلية تحافظ على صلتها ببيئتها، وتنفتح في الوقت نفسه على أسئلة الإنسان ومعاني وجوده.
إنها تجربة شعرية تؤكد أن الإبداع لا يقاس بتعدد الأشكال وحده، بل بقدرة المبدع على تحويلها إلى رؤى، وعلى جعل اللغة فضاءً للتفكير والشعور معًا. وفي هذا التوازن بين كثافة الصورة ورقي الحكمة، تتحدد إحدى العلامات البارزة في إضمامة «أبّا الحاضي»، بما تتيحه من إمكانات للقراءة العاشقة والفاحصة، وتمنحهما معًا فرصة اللقاء عند تخوم الشعر والحياة.
الدكتور جمال بندحمان
مفكر وباحث وروائي وحقوقي من المغرب





