24 ساعةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

فصل من كتاب ” الجسد اليقظان” بقلم أبو شامة نورالدين حنيف المغرب

فصل من كتاب " الجسد اليقظان" بقلم أبو شامة نورالدين حنيف المغرب

المحارب الجميل
***
في فن الأيكيدو يتكلم الجسد باعتباره معادلا موضوعيا للمقول الذي هيمن طويلا على مشاهد التعبير في مجالات التربية على هذا الفن الأصفر وقيمه.

هكذا يدعونا فن الأيكيدو إلى الاستماع إلى هذا الجسد وإلى ملاحظته وهو يتحرك في الفضاءات الممكنة داخل قاعة التدريب، على صفيح الركح المتميز بطقوسه الخاصة و المختلفة. الجسد يفكر بمعية الأجساد الأخرى ليتشكل من هذا التفاعل الجمعي تناغم جميل يغني فلسفة السلم ومبادئ التسامح .

ولقد صدقوا عندما قالوا (إنّ ممارس فنّ الأيكيدو محاربٌ جميل) يؤمن بالفكرة الجميلة التي تغلف الجسد في ثنائية مبهرة، وتوجهه إلى معانقة الشريك، على اعتبار أن أدبيات الأيكيدو ترفض المقولة التي تسمّي الشريكَ خصماً أو غريما أو عدوّا…

الآخرُ شريكٌ في بناء منظومة التواصل السلمي عبر حركات وتقنيات ومسكات تبدو في أول وهلة، ولغير ناظر متفحّص، أنها من بنات العنف، لكن الرؤية الشاملة لفسيفساء العلاقة بين الممارس والشريك تفيد نقيض ذلك تماما.

فالتسامح هو عنوان هذه العلاقة، وهو عنوان هذه الفلسفة التي تركز على ربط الجسد بالمعنى في حضور متميز للممارس وهو يذوب في طقوس العطاء والأخذ، والاستمتاع الصامت، والاستماع الحيوي، والملاحظة الذكية، والهدوء الحكيم الذي لا يني يمتص كل أشكال العنف في لغة جسدية انسيابية يؤطرها تنفس عميق ويوجهها إلى غايات نبيلة .

يدرك ممارس فن الأيكيدو أن الجسد هو أداة الاشتغال داخل الفضاء المشترك بكل تفاصيله المادية والمعنوية والعلاقية الفاعلية، وهو بهذا الجسد المحدود يدخل بشكل لا إرادي في مغامرة خلق أشكال غير محدودة من العوم بهذا الجسد داخل تموجات روحية لا تتناقض مع واقع الركح. أي ما يطلق عليه باسم ـ(tatami).

ليس معنى ذلك أن ممارس هذا الفن مجبر على دراسة ميكانيزمات هذا الجسد من زاوية المتخصص و العارف بأسراره، الضابط لبنياته علميا وطبيا ونفسيا، من منظور نظري موسوعي. فهذا ادّعاءٌ لا مقام له هنا… يلزم الممارسَ فقط أن ينساب مع شيخه، المدعو في أدبيات الأيكيدو بـ(Sensei)في لحظات جوانية، تستثمر في (المُريدِ) تجليات القوة الكامنة، عبر مجموعة من التعلمات القمينة بإخراج الإبداع الممكن من جسدٍ ألِفَ الاسترخاء الخاوي والدعة الرخيصة في خضم اقتراحاتِ اليومي وإغراءاته..

في هذا السياق، وبعد مسلسل منظم وطويل من التمارين الغائية يتمكن جسد ” الأيكيدوكا ” من إدراك حدوده الخاصة وقدراته الممكنة فيزيقيا، وتجاوزها. وهنا تكمن اللحظة القوية حين يتمكن الممارس من تخطي ضعفه وتعثره وعجزه الواهم.

الاشتغال على الجسد هو السفر معه في خطين متوازيين: خط الالتزام بمواعيد التداريب الأسبوعية، وخط الالتزام الأدبي والروحي بأهداف هذه الرياضة. وبين الحضور لأولِ حصة و لِحصة الامتلاء، يمتد السفر الجميل في البحث عن تجليات هذا الذي نسميه جسدا، والذي نحس ثقله كلما استجبنا لرغباته الهجينة .

ينفّذ الجسد في فن الأيكيدو مجموعة من الحركات على شكل هجوم أو دفاع. وهو في كل هذه العمليات يتحرك بنيويا بحيث إن كل الأعضاء تستجيب لتناغم الحركة المبنية أساسا على التوازن الجمالي .

هذا التوازن الجمالي تغذيه أرضية أولية في بناء التعلمات منذ الحصص الأولى للمتعلم -المريد، بحيث يبدأ الجسد في التعرف على ذاته عبر حركات (التايْ سَباكي taisabaki) وهي تقنية حركية تشبه الفتل الصوفي بتنويعات مختلفة عبر سلسلة من أشكال الدوران الوظيفي، يحقق فيها الجسد مجموعة من الأهداف ..

– إدراكُ التوازن الفيزيقي والتوازن الجمالي
– الاستعداد الافتراضي لحركات الهجوم والدفاع
– الاندماج المنضبط داخل الجماعة
-المصالحة مع الجسد عبر اكتشاف تعثراته الطبيعية و ترميمها بما ينبغي من الآليات المكتسبة.
– اكتساب مهارات التركيز
– اكتساب خاصية الانسيابية في حركات الجسد

وأهداف أخرى تتناسل من المثلث العلائقي (أرض – جسد – سماء) وهو المثلث نفسه الذي يختزله فضاء الـ Dojo و ينزله من النظر الى الممارسة .

الجسد في وضعية “سيزا Seiza”جسد هادئ ومتأهب وحماسي في طقوس خاصة و مختلفة، فيها يرتفع الرأس وينتصب الظهر وتتثنى الأرجل في صورة الرفع من الركوع ، ويتداخل الكفان عبر وسيط الإبهام، تحت الصرة، وكأنهما يستدعيان الطاقة الداخلية الكامنة والكسولة للتجلي.

“سيزا ” وضعية متميزة في مسار درس الأيكيدو باعتبارها جلسة افتتاح للحصة، وافتتاح لعمليات التأمل، ولتحصيل رصيد نسبي من طاقة التركيز، وخلق قطيعة مع الخارج، استعدادا للدخول في عالم مغاير تمام المغايرة للمعيش ولليومي. إنها مناسبة للارتقاء بالجسد حتى ولو كان ملتصقا بالحصير (tatami) ارتقاء نوعيا تغذيه لحظة تأمل يزينها صمت جميل يسود الفضاء الموسوم في هذه الأدبيات باسم (الدوجو dojo) و تنتقل بالأيكيدوكا من حالة القطيع إلى حالة التميز، و من حالة الشبه إلى حالة الاختلاف العامر.

كما أنها وضعية غير عادية، تتيح للجسد أن يتموضع داخل فضاء التداريب أو العرض الذي يحتوي الذات ويحتضنها ويحاورها في آن. وفي هذا السياق المتقدم والجواني يحس الممارس أن وجوده لا ينتهي عند حدود جسده، وعند أقانيمه الفيزيقية. ذلك أن المريد عندما يجلس قبالة الشيخ-المعلم، فإنه يندمج فيه روحيا، وبالتالي يندمجان معا في هذا الفضاء المشترك الموسوم بالوقار والهيبة والعطاء غير المشروط، وكأنهما يملآن الفضاء ويملؤهما في علاقة جدلية يحكمها وعي راقٍ بغايات هذا الفن النبيلة المبنية على التواصل الحميمي والروحي الفعال.

ودون أن يشعر، تُلقي جلسة (سيزا) بالممارس العادي تاريخيا في حضن ذلك الساموراي الذي يجلس قبالة الغريم وهو متحرر الأعضاء من ثقل الأرض، متأهب للرد، جالس بشكل يجمع بين الستاتيكية الماكرة مكرا إيجابياً و بين الدينامية الهادفة و الواصلة، يعلمنا كيف نلغي المسافة بيننا وبين ذواتنا ونتقرّب من أجسادنا حتى ولو طالنا ذلك الألم الناتج عن الالتصاق بالأرض… من هنا إحساسنا القوي أن هذا الجسد في هذه الوضعية وعبر هذه الطقوس، هو أداتنا لتحصيل المعرفة بالذات وبالآخر وبالكون.

وأول هذا التحصيل المعرفي إدراك الممارس أنّ الجسد في منظور الأيكيدو: باب مفتوح …

عندما يدخل الجسد إلى الركح ( الـدوجو) فإنه يتفاعل مع فضاء يتميز أساسا بلغة التسامح والانفتاح وقبول الآخر. وعندما يهاجم الأيكيدوكا غريمه، أو بالأحرى شريكه، فإنه يفتح أمامه كل الإمكانيات لتفتح شخصيته، على عالم الخير والجمال والقوة، وبالتالي فإن أيَّ مقاربة لفهم هذا الفن لا ينبغي أن تلغي من اعتبارها فكرة الأبواب المواربة .

الأبوابُ الموارَبَة فكرة تقوم على المراوغة. فالممارس لهذه الرياضة يعتمد المراوغة باعتبارها قاعدة في التواصل على الركح، و الجسد المتصلب المتخشب لا مكان له في عالم الأيكيدو. المرونة سيدة الموقف والدينامية الحية عنوان التفاعل ويقظة النمور الهادئة هي الاستعارة المطلوبة.

وشرح هذه الفكرة أمر بسيط… فأنت مثلا، عندما تهاجمني وأقاوم بجسدي الذي يشبه الباب المغلق، والمتصلب دون حراك، اعتمادا على تقديري أنني الأقوى، أكون قد فتحت المجال للتصادم الفيزيقي المؤدي للعطب والأذية، على اعتبار أنك تتصور قوتك قادرة على اختراق الجسد-الباب والانتصار على هذا التصلب البليد. لكنني حين أتيح لجسدي إمكانية الحركة وعبر المراوغة يمينا أو شمالا من خلال تقنية الـTaisabaki، أكون قد حررت جسدي من قدر التخشب وحولته إلى باب مُوارَب يوهم بأنه مغلق ومتصلّب… فتصور معي، عزيزي القارئ، ماذا يقع للمهاجم المنفلت من قبضة العقل والحكمة والمستجيب للحس الغريزي وهو يروم كسر الباب بقوته المتهورة، مع العلم أن هذا الباب مفتوح الباطن مغلق الظاهر… وتصور معي قوة سقوط هذا الجسد في الفراغ وفي الغبن… وتصور معي أيضا وفي المقابل شموخ ذاك الجسد المرن الذي انفتح على السِّلم عبر المراوغة وترك الانسيابية تقول كلمتها .

الأبواب المواربة فكرة مركزية في فهم هذا العالم الموسوم بالذكاء التقني والقيمي الذي يجعل الأيكيدو فنا نبيلا جدا، ورياضة سلمية جدا. وهي رياضة تتفوق على مقولات العنف بتدجين هذه المقولات، وبامتصاص مظاهر الاندفاع الخاوية والمغذية لنسغ القبح والبشاعة والعنف في الحياة داخل الركح( الدوجو dojo) وخارجه …

تشكيل الجسد في محراب فن الأيكيدو، تشكيلٌ عجيبٌ يقوم على تناغم المختلفات وتوافقها، وانسجام تشعُّباتها، في غير قسر أو إكراه أو فرض نازل وفوقاني… وكأن الأمر ينساب بين (الأوكيuke) و(التوري .(tori أي بين الممارس لهذا الفن وبين شريكه، انسياب آلات عزف تختلف نوعياً، و تتشعّب لتؤدي في الأخير نغمة واحدة دون نشاز .

في كل الرياضات تقريبا، يكون هاجس المهاجم تسجيل التفوق على غريمه بحصاد النقط أو بالضربة القاضية. في فن الأيكيدو يكون همّ ” الأيكيدوكا ” هو الدخول مع شريكه في شكل من أشكال التواصل المتناغم، وهما يؤدّيان حركات توافقية منسجمة يبنيها إحساس مسؤول بتقديم عرض جيد يجمع بين الجمالية والفاعلية، بين المرونة والقوة، بين المعنى والواقع، كي يمثلا هذا الفن خير تمثيل. من هنا تنتفي ” الأنا ” المسكونة بالرغبة الغريزية في تكسير “الآخر” و إقصائه، لتحل محلّها بنية متعالية تؤثث ذاتها بقيم التسامح والتوافق والتكامل، وتبحث عن تشكلها النهائي في رسم الجسدين لِدوائرَ غير مغلقة، تنفتح على فكرة اقتسامِ و تقاسمِ و تشاطُرِ الجميل بمفهومه الاستيطيقي والأخلاقي.

تحضر في هذه الدوائر كل احتمالات احتكاك الجسد، إلا احتمالٌ واحد هو قصد العنف ونية الإيلام وتبييت الضرر. ولا شك أن غياب، أو بالأحرى، حَظْر الضّربة واللكمة، خير دليل على صفاء هذه الدوائر من إشكالية القوة المندفعة في غير تصور أو فلسفة… لقد قدّم فن الأيكيدو بديلا ذكيا عن اللكمة المباشرة بلكمة تمويهية، أُطْلِقَ عليه في أدبيات هذا الفن(أتيميatemi)وهي حركة قوية تتسم بالمرونة والدقة، يوجهها المهاجم إلى وجه شريكه أو إلى أحد أعضائه، باحتراز شديد، ودون أن تلامسه أو تؤذيه. والهدف منها أهداف، نكتفي فقط بأنها تشتت ذهن الشريك وتفقده تركيزه وتخلخل توازنه، ليصبح لقمة منسابة بين فكّي المهاجم النبيل، وهو يستثمرها خير استثمار في أفق استكمال هذه الدوائر الذكية في هذا الفن الذكي.

يؤدي المهاجم والشريك رقصة الــتايساباكي بتنويعات متعددة وكثيرة، تتناسل من خلال تعدد سياقات الدخول في عرض أو مباراة أو مقابلة غير تنافسية، و تبتعد عن تحقيق الفوز لتسلم الميدالية في آخر المطاف. إن هذا الأفق غير موجود في عرف الأيكيدو .

الرقصة رقصات، جادة ومسؤولة، ومتناغمة إلى حدّ التوحد، وحدّ التشاكل، في عرض يتشابك فيه الجسدان في اتجاه التكامل بحيث إن هجمة الـ ” آي هامي إيكيو “، مثلاً، ما هي إلا بداية مشوار رقصة ذكية تبدأ بمحاورة السماء وتنتهي بعناق الأرض. وبين هذين القوسين تتفاعل الذوات على حصير الركح تفاعلا تكامليا ينسى معه (الأوكي و التوري) جسديهما في حالة الانفصال، لتحل محله حالات من الاتصال، تقترب من حالة العزف على أوتار مختلفة أشد الاختلاف بنغماتٍ موحدة أشد الوحدة.

فن الأيكيدو تكريس راقٍ لفلسفة الجسد. فيه ينطلق الممارس من فكرة استحضار الآخر، الشريك، في عمليات التدريب والعرض، ويدعوه ضمنيا إلى تطوير مهارات هجومه ودفاعه، عبر آلية فاعلة، هي حوار الجسد للجسد في أفق إنساني يفتح المجال للرغبة الغريزية الخازنة للعنف كي يتمظهر نقياً تُخْلعُ عنه شوائب الرغبة في التدمير، لتحل محلّها صورة العنف كطاقة إيجابية بأبعاد رياضية نبيلة.

في كلّ الرياضات الداخلة نسق “فنون الحرب” يوجد حوار الجسد، لكنه في فن الأيكيدو يختلف، على اعتبار أنه تفاعل يستثمر الامتلاء المتعدد والمتمسرِح بين (الأوكي و التوري) أي بين الممارس والشريك على حصير (التاتامي(tatamiاستثمارا يجمع بين الفن والتقنية. و تتناسل فيه الحركة البسيطة وتتشعب في حركات غايتها امتصاص كلّ أشكال العنف الكامنة في الطرفين معا وتحويلها إلى فراغ إيجابي .
بين الممارس والشريك مسافات معنوية كبيرة، هي ما أسميتها بـ (الامتلاء المتعدد)، عنوانها هو الاختلاف في كل شيء، في القوة وفي تمثل هذه القوة، في الوزن وفي استيعاب هذا الوزن. في رصيد التعلمات وفي تنفيذ الحركات وفي كثير من الخصوصيات. كلاهما لا يستحضر هذا التعدد بشكل واعٍ لكنهما يدركانه بشكل كلّي لا يحول دون انبناء رغبة الدخول في خضم التواصل الجسدي و الروحي .
يتيح هذا التواصل للأيكيدوكا وشريكه القدرة على إلغاء هذه المسافات، لبناء ذلك الفراغ الإيجابي الذي لا يُبْقِي على الاختلافات ولا يذَر. بحيث يتحول الطرفان إلى دائرة إنسانية واحدة ” أُمّ “، تتوافق على خلق دوائر إنسانية صغرى، و كلّ دائرة صغيرة تتناسل عنها دوائر أخرى، وهكذا، حتى يكبر ذلك الفراغ الإيجابي بين الطرفين في خط تصاعدي يبني الشخصية على أرضية”dojo”لاستكمال بنائها على أرضية الواقع، في انسيابية متميزة .

خذ على سبيل المثال هجمة بحركة ” شومان ” واعتبرها دائرة كبيرة ينفذها الأيكيدوكا. يستقبلها الشريك بحركة دفاعية ” إيري مي ناغي ” مثلا. هي دائرة صغرى تتحول إلى كبرى إذا غيّر الشريك مجرى الانسياب وأمسك بيد الآخر على مستوى العنق وانقلب عليه بهجمة تركز على مسْكة “سانكيو” ليرسم الطرف الأول حركة ” شيو ناغي ” دائرة ثالثة وهكذا … لنصبح أمام عملية تبادل الأدوار بين الطرفيْنِ و كأنهما يؤديان رقصة المحارب الجميل الذي يعتنق فلسفة السلم ويتمذهب بفكرة التسامح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى