24 ساعةالواجهةلحظة تأمل

أحلام أبناء الفقراء في المغرب: حين تصبح الشهادة الجامعية سؤالًا عن العدالة لا نهايةً للمعاناة

أحلام أبناء الفقراء في المغرب: حين تصبح الشهادة الجامعية سؤالًا عن العدالة لا نهايةً للمعاناة

بقلم: رشيدة باب الزين خريجة جامعية مغربية

حصلتُ على الإجازة في الحقوق من المغرب، إلى جانب شواهد أخرى، وكنت أحمل في داخلي حلمًا بسيطًا، لكنه كان بالنسبة إليّ أكبر من مجرد شهادة جامعية: أن أتعلم، وأن أجتهد، وأن أجد لنفسي مكانًا في مجتمع يفترض أن يمنح العلم قيمة، وأن يجعل الاجتهاد طريقًا نحو مستقبل أفضل.

أمضيت أربع سنوات في الجامعة، أربع سنوات من التعب والمعاناة والصبر، ومن المحاولات المتكررة لأثبت أنني أستحق فرصة، وأن سنوات الدراسة لم تكن مجرد وقت عابر، بل استثمارًا من العمر والأمل والجهد، طوال هذه الرحلة، لم يكن الناس يعرفون عني إلا الأخلاق والاجتهاد، وكان كثيرون يشهدون لي بحسن السيرة، فعلت ما استطعت، وبذلت كل ما أملك من جهد، لكنني اصطدمت بأمور لم تكن يومًا بيدي، بظروف لم أخترها، وبواقع لا يبدو أنه يكافئ الجميع بالمعايير نفسها.

وهنا يبدأ السؤال المؤلم: ماذا أفعل بأهلي؟

أمي امرأة بسيطة، وأبي مرّ بظروف البطالة، بعد معاناة مع المستعمر الفرنسي داخل وخارج المغرب، هل أختار عائلتي قبل أن أولد؟ هل أستطيع أن أغيّر الظروف التي نشأت فيها؟ وهل ينبغي لي أن أعتذر للمجتمع عن انتمائي إلى أسرة لم تمتلك الامتيازات التي يمتلكها آخرون؟

لماذا أشعر أحيانًا وكأن عليّ أن أبرر أصلي وظروفي الاجتماعية، وكأنني مطالبة بالاعتذار عن شيء لم أختره؟ كل ما أستطيع قوله هو: كثر الله خير والديّ، فقد ربّياني وعلّماني بما استطاعا، ومنحاني ما كان في وسعهما من حب وتضحية، لم أكن أطلب منهما المستحيل، ولم يكن ذنبي أن الحياة لم تمنحهما ما يكفي من الفرص.

لكن لماذا يتحول فقر الأسرة، في بعض الأحيان، إلى عبء إضافي على أبنائها؟ ولماذا يبدو أن على أبناء الفئات الهشة أن يبذلوا جهدًا مضاعفًا، لا لكي يتفوقوا فحسب، بل لكي يثبتوا أولًا أنهم يستحقون أن يُنظر إليهم بجدية؟

أين تنتهي مسؤولية الفرد، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع؟

نحن لا ننكر قيمة الاجتهاد، ولا نبحث عن إعفاء أنفسنا من المسؤولية، ولا نريد أن نحمّل الآخرين نتائج كل إخفاق، لكننا نريد أن نعترف بحقيقة أساسية: ليس الجميع ينطلقون من النقطة نفسها، هناك من يدخل الحياة محاطًا بشبكات الدعم والعلاقات والإمكانات، وهناك من يدخلها محمّلًا بهمّ الأسرة، وضيق الحال، والخوف من المستقبل، وضرورة النجاح بأي ثمن، لأن الفشل بالنسبة إليه ليس مجرد تجربة يتعلم منها، بل قد يكون سقوطًا لا يجد من يلتقطه.

وحين نصل إلى الجامعة، نسمع أن التعليم هو مفتاح المستقبل، وأن الشهادة هي طريق الاستقلال والكرامة، فنصدق ذلك، ونجتهد، ونؤجل أحلامًا كثيرة، ونقنع أنفسنا بأن الغد سيكون أفضل، ثم نكتشف أن الشهادة، مهما كانت قيمتها، لا تكفي وحدها لضمان فرصة عادلة، وأن الطريق من مدرج الجامعة إلى الحياة المهنية قد يكون أطول وأكثر قسوة مما قيل لنا.

فمن كان مسؤولًا عن إخبارنا بهذه الحقيقة؟ ولماذا لم نكن أكثر صراحة مع التلاميذ والطلبة منذ البداية بشأن الصعوبات التي تنتظرهم؟ لماذا نزرع فيهم اليقين بأن الاجتهاد وحده يكفي، ثم نتركهم يواجهون واقعًا معقدًا من دون توجيه كافٍ، أو مواكبة حقيقية، أو فرص تتناسب مع طموحاتهم؟

لماذا لا نتحدث بوضوح عن الفوارق الاجتماعية، وعن صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وعن أهمية تكافؤ الفرص، وعن ضرورة ربط التكوين بحاجات المجتمع، وعن مسؤولية المؤسسات في ألا تترك الشباب يواجهون مصيرهم وحدهم؟

إن المشكلة ليست في أن نحلم، بل في أن نُترك وحدنا حين نصطدم بالواقع، وليست في أن نجتهد، بل في أن نُقنع بأن الاجتهاد يضمن النتائج نفسها للجميع، وليست في أن نحمل شهادات، بل في أن تتحول هذه الشهادات، بالنسبة إلى بعضنا، إلى أوراق تذكّرنا بما بذلناه أكثر مما تفتح أمامنا أبواب المستقبل.

ماذا نقول لتلاميذ المدارس العمومية؟ هذا هو السؤال الذي يؤلمني أكثر من غيره.
ماذا نقول لأولئك التلاميذ الذين يجلسون اليوم في أقسام المدارس العمومية، ويحملون أحلامًا تشبه أحلامنا؟ ماذا نقول للفتاة التي تدرس في ظروف صعبة، لكنها تتخيل نفسها محامية أو قاضية أو أستاذة أو طبيبة؟ ماذا نقول للشاب الذي يعود إلى منزله وهو يعرف أن أسرته لا تستطيع توفير دروس إضافية أو علاقات أو إمكانات تساعده على المنافسة؟

هل نقول لهم: لا تتعلموا؟ هل نقول لهم: اقتلوا أحلامكم بأيديكم قبل أن تقتلكم خيبات الأمل؟ أم نطلب منهم أن يعيشوا بلا أحلام، حتى لا يتألموا حين يكتشفون أن العالم لا يمنح الجميع الفرص نفسها؟
وهل نكشف لهم المستقبل كما نراه في لحظات الانكسار، فنقول لهم إنكم ستقضون أعماركم في خدمة أحلام الآخرين، وإنكم قد تتحولون إلى مجرد أيدٍ عاملة في نظام لا يرى فيكم إلا قدرتكم على العمل، لا إنسانيتكم ولا طموحاتكم؟

لا. لا أريد أن أقول لهم ذلك، رغم أن الخيبة قد تدفع الإنسان أحيانًا إلى التشكيك في كل ما آمن به.
لا أريد أن أكون سببًا في إطفاء حلم طفل لم يبدأ رحلته بعد،  لكنني أيضًا لا أريد أن أكذب عليه، أو أن أبيع له أوهامًا عن عالم عادل لمجرد أن الكلمات الجميلة أسهل من مواجهة الحقيقة.

أريد أن أقول له: تعلّم، واحلم، واجتهد، لكن اعرف أن الطريق ليس عادلًا دائمًا، وأن تعثرك لا يعني بالضرورة أنك أقل كفاءة من غيرك، أريد أن أقول له إن فقر أسرته ليس عيبًا، وإن البطالة التي عاشها أبوه ليست حكمًا على مستقبله، وإن مهنة أمه البسيطة أو محدودية إمكانات عائلته لا تنتقص من قيمته الإنسانية.

وأريد، في الوقت نفسه، أن أقول للمجتمع والدولة والمؤسسات التعليمية: لا تطلبوا من هؤلاء الأطفال أن يؤمنوا بالعلم وحده، ثم تتخلوا عنهم عندما يحتاجون إلى فرصة حقيقية، لا تطلبوا منهم أن يحلموا، ثم تجعلوا تحقيق أحلامهم امتيازًا لا يناله إلا من امتلك شروط النجاح مسبقًا.

لسنا نطلب المستحيل، بل نطلب أن يكون للمجهود معنى.

إن حديثي ليس اتهامًا لكل من نجح، ولا إنكارًا لقيمة الكفاءة والاستحقاق، فهناك من اجتهد ونجح بجدارة، وهناك من تجاوز ظروفًا قاسية وحقق ما كان يبدو مستحيلًا، لكن وجود قصص النجاح لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل أولئك الذين اجتهدوا أيضًا، ولم يجدوا الطريق مفتوحًا أمامهم.

ليس من العدل أن نستخدم قصص الاستثناء دليلًا على أن المنظومة عادلة للجميع، وليس من الإنصاف أن نطلب من كل شاب يعاني أن يصمت، بحجة أن غيره استطاع تجاوز الصعوبات.

نحن بحاجة إلى تعليم عمومي قوي، وإلى توجيه مدرسي وجامعي واقعي، وإلى فرص تدريب وشغل منصفة، وإلى سياسات تحمي الشباب من أن تتحول سنوات تعليمهم إلى سنوات انتظار مفتوح.

نحن بحاجة إلى مجتمع لا يحكم على الإنسان من اسم عائلته أو وضع والديه، بل ينظر إلى كفاءته وإمكاناته وما يستطيع تقديمه.

وأنا، خريجة الحقوق، لا أكتب هذه الكلمات لأنني فقدت إيماني بالعلم، بل لأنني ما زلت أؤمن بأن العدالة يجب ألا تبقى مجرد مادة ندرسها في الكتب، أو مبدأ نتغنى به في الخطابات، يجب أن تصبح تجربة يعيشها الإنسان في حياته اليومية، في المدرسة والجامعة ومكان العمل، وفي الطريقة التي يُعامل بها حين يطلب فرصة يستحقها.

لقد تعلمنا أن الحقوق لا تُمنح على أساس الأصل الاجتماعي، وأن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بثراء الأسرة أو نفوذها، لكن ماذا تعني هذه المبادئ إذا بقيت الفوارق الاجتماعية قادرة على تحديد سقف أحلامنا قبل أن نبدأ السعي لتحقيقها؟

لا أريد أن أقول إن أحلام الفقراء محجوزة لأبناء أصحاب الامتيازات، ولا أريد أن أؤمن بأن المستقبل كُتب سلفًا، وأن بعضنا وُلد ليختار، بينما وُلد آخرون ليطيعوا وينتظروا.

لكنني أريد أن أسأل، بصوت كل شاب وشابة أنهكهما الانتظار: إلى متى سنظل نطالب أبناء الفئات الهشة بأن يكونوا أكثر صبرًا، وأكثر اجتهادًا، وأكثر تحمّلًا، من دون أن نطالب المجتمع بأن يكون أكثر عدلًا؟

وإلى متى سيظل التعليم يُقدَّم باعتباره وعدًا بالخلاص، بينما لا يجد بعض خريجيه سوى القلق والانتظار وأسئلة لا تنتهي عن جدوى كل تلك السنوات؟

في النهاية، لا أريد أن أقتل أحلام التلاميذ، بل أريد أن أتوقف عن رؤية أحلامهم تُترك لمصيرها.

أريد أن يأتي يوم لا تضطر فيه فتاة إلى الاعتذار عن فقر أمها أو بطالة أبيها، ولا يشعر فيه شاب أن عليه أن يخفي ظروف أسرته حتى يُنظر إليه باحترام، أريد أن يصبح النجاح ممكنًا بالاجتهاد والكفاءة، لا أن يبقى رهينًا بامتيازات لم يخترها أصحابها، وبعوائق لم يخترها من يعانون منها.

فما جدوى أن نطلب من أبنائنا أن يحلموا بوطن أفضل، إذا لم نعمل على جعل هذا الوطن مكانًا يتسع لأحلامهم؟
وما جدوى أن نعلّمهم الحقوق، إذا لم نمنحهم الإحساس بأنهم يستحقونها؟

أنا لا أطلب من أحد أن يشفق عليّ، ولا أريد أن أختصر نفسي في المعاناة، أنا خريجة جامعية، اجتهدت، وتعلمت، وحاولت، وما زلت أبحث عن مكاني في الحياة، وكل ما أريده هو ألا تتحول قصتي إلى مصير يتكرر مع آلاف الشباب الذين صدّقوا أن العلم طريق إلى مستقبل أفضل.

لا تقولوا لهم ألا يحلموا. لا تطلبوا منهم أن يدفنوا طموحاتهم وهم أحياء، فقط اجعلوا العالم الذي ينتظرهم أكثر عدلًا، حتى لا يصبح الحلم عبئًا، ولا تتحول الشهادة إلى سؤال موجع، ولا ينتهي الإيمان بالتعليم إلى شعور بأن صاحبه كان مخطئًا حين صدّق أن الاجتهاد يستحق فرصة.

فالأحلام لا تحتاج إلى من يعلّم الفقراء كيف يتخلّون عنها، بل إلى مجتمع لا يجعل تحقيقها امتيازًا حكرًا على من وُلدوا وهم يملكون مفاتيح الأبواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى