الواجهة

إلقاء اللوم على الضحية لتبرئة الجلاد

عبد الحميد الرحا 

هذه المقولة، مهما كانت نية قائلها، هي إستنساخ لأسطورة إستعمارية كان يهدف المحتل من ورائها إلى تبرير الجريمة، وإلقاء اللوم على الضحية لتبرئة الجلاد. ولتدرك تهافت هذا الطرح، سوف أحتكم إلى منطقك نفسه وأطبقه على قضية الصحراء المغربية. التاريخ يشهد أن هناك صحراويين خانوا المغرب، وحملوا السلاح في وجه وطنهم، وجعلوا من أنفسهم مجرد أدوات طيعة في يد الجزائر؛ فهل هذا الواقع يمنحنا مبرراً لنقول إن الصحراويين كلهم خانوا المغرب؟ هل يبرر لنا هذا أن نتخلى عن صحرائنا ونتوقف عن المطالبة بسيادتنا عليها، وهي حقنا التاريخي والشرعي؟ قطعاً لا؛ لأن مقابل هؤلاء الخونة هناك صحراويون شرفاء لم يتخلوا يوماً عن مغربيتهم، ولم يتنكروا لوطنهم، ودافعوا عن هذه الأرض بدمائهم. نفس هذا الميزان المنطقي ينطبق حرفياً على الشعب الفلسطيني.
هذا الشعب البطل قاوم الإستعمار البريطاني، وواجه العصابات الصهيونية بشراسة، وقدم قوافل من الشهداء في ثورات متتالية تاريخية؛ كثورة البراق والثورة الكبرى. خسارة الأرض لم تكن يوماً خيانة، بل كانت نتيجة حتمية لحرب إبادة، وتهجير قسري، وتواطؤ دولي قذر، وتفوق عسكري كاسح لعصابات مدعومة من أعتى قوى الاستعمار العالمي. من يختزل هذا الصراع الدامي في كذبة بيع الأرض، يمارس تدليساً فكرياً، ويهين دماء مئات الآلاف من الشهداء الذين إرتقوا دفاعاً عن كل شبر منها.
أما تسفيه المظاهرات ووصفها بالعبث، فهو يعكس جهلاً بحركة التاريخ. المظاهرات والإحتجاجات ليست عبثاً، بل هي السلاح الذي أبقى القضية حية في الوعي العالمي، وهي التي فضحت جرائم الإحتلال وعرت وجهه القبيح أمام شعوب العالم. أنظر إلى إستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة كيف إنقلبت رأساً على عقب؛ حيث أصبحت الأغلبية خاصة من فئة الشباب تقف بصلابة إلى جانب الشعب الفلسطيني، ولم تعد تصدق الرواية والأكاذيب الصهيونية. هذا الضغط الشعبي الهائل أثمر نتائج سياسية ملموسة، نرى اليوم دولاً تفرض عقوبات فعلية على إسرائيل، وأخرى تقطع شحنات الأسلحة أو تعلقها، ونرى نتنياهو نفسه ملاحقاً من المحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب، ونشهد إعترافات متتالية من دول أوروبية بدولة فلسطين.
كل هذا الزلزال الدبلوماسي ساهمت فيه حركات الإحتجاج والإعتصامات التي أوصلت الصوت ورفعت منسوب الوعي. لقد وصل التأثير إلى عمق المؤسسات الغربية، حيث نجد اليوم قيادات وأعضاء في البرلمان الأوروبي يتعاطفون علناً مع فلسطين. بل إن ترامب نفسه صرح صراحة بأن من كان يدعم إسرائيل في الماضي كان يلقى التأييد المطلق، أما اليوم فمن يدعمها أصبح يفقد الأصوات والوزن السياسي. وفي الإنتخابات التمهيدية للكونغرس الأمريكي، رأينا كيف فاز مرشحون يدعمون الحق الفلسطيني، متفوقين على مرشحين مدعومين من اللوبي الصهيوني. كل هذا يثبت بالدليل القاطع أن الإحتجاجات تصنع التغيير، وتخنق الإحتلال سياسياً واقتصادياً.
وأمام هذه الحقائق الدامغة، أضعك أمام مرآة ضميرك لأسألك: في رصيد من تصب هذه الخرجات المسمومة؟ ومن المستفيد الأول من تسويق هذا الخذلان بينما يباد شعب أعزل في أبشع مجزرة عرفها العصر الحديث؟ ألم يكن الأجدر بك وبأمثالك أن تقفوا في صف المظلوم، ولو بشق كلمة تفضح توحش الإحتلال، عوضاً عن التشويش، وتسفيه كل صوت حر يرتفع لنجدة غزة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى