24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةمجتمع

الشيخ محمد أشريكي.. رجل الصلح وذاكرة أولاد سالم بالحوزية وأزمور

في ذاكرة أولاد سالم الحوزية ومدينة أزمور، أسماء لا تنتهي حكايتها برحيل أصحابها، بل تظل حاضرة بما تركته من أثر في حياة الناس ، وبما أرتبط بها من مواقف وذكريات وشهادات. ومن بين هذه الأسماء يبرز إسم المغفور له الشيخ محمد أشريكي ، الذي عرف خلال مسيرته بهيبته ونزاهته وقربه من الناس وبحضوره في عدد من القضايا الإجتماعية والإدارية التي طبعت مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة.

ولد الشيخ محمد أشريكي سنة 1927 بدوار الغمارات بأولاد سالم بالحوزية وهو نجل الفقيه والعدل .
سي أحمد أشريكي. وفي ثلاثينيات القرن الماضي ، أنتقل إلى مدينة أزمور ، حيث أشتغل في تجارة السكر قبل أن ينخرط في مرحلة الإستعمار الفرنسي في صفوف المقاومين .
وبعد إستقلال المغرب تولى مهمة شيخ القبيلة ، وأضطلع بهذه المسؤولية في منطقة شملت قبائل الغمارات والعبيدات والحمامدة والكريطات والحروشة والخوادرة ، كما كان ينوب عن شيخ قبائل بني تامر بأولاد رحمون.
وخلال مسيرته ، أشتغل الشيخ محمد أشريكي إلى جانب عدد من رجال السلطة الذين تعاقبوا على مدينة أزمور والنواحي ، من بينهم الباشا بن دحان، والباشا إدريس، والباشا العلج ، والباشا أعبابو ، والباشا الشرقاوي ، والباشا مولاي الطيب العلوي إلى جانب القائد الكتاني والقائد الصالح ورؤساء الدوائر.
سكن الشيخ محمد أشريكي في بداية إقامته بمدينة أزمور بدرب القائد الركراكي،المعروف لدى أبناء المدينة باسم درب “Cafin”. وبعد وفاة والده الفقيه سي أحمد أشريكي، أنتقل إلى درب الجديد ، حيث أصبح بيته عنوانا للقاء والتواصل، خصوصا يوم الثلاثاء، موعد السوق الأسبوعي بمدينة أزمور.
في ذلك اليوم ، كان بيته يستقبل الفلاحين القادمين من المناطق المجاورة منهم من جاء إلى السوق ، ومنهم من قصد زيارته ، ومنهم من أحتاج إلى مساعدته في قضاء شأن إداري أو حل مشكل من المشاكل التي كانت تعترضه .
ورغم إستقراره داخل المدينة ، لم تنقطع صلته بأولاد سالم بالحوزية ، وظل متابعا لأحوال أهلها وقضاياهم محافظا على علاقته بمختلف مكونات المنطقة ،
لم تكن مهمة الشيخ محمد أشريكي مرتبطة فقط بالجانب الإداري ، فقد أشتهر أيضا بكونه رجل صلح يؤمن بأن معالجة الخلافات بين الناس تبدأ بالحوار ومحاولة تقريب وجهات النظر قبل أن تصل إلى أبواب السلطات .
وكان، بحسب شهادات من عاصروه وعرفوه حريصا على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين كلما كان ذلك ممكنا وهو ما جعله يحظى بمكانة وإحترام لدى عدد من أبناء المنطقة ،
كانت شخصيته قوية ، وهيبته حاضرة ، لكن تلك الهيبة لم تمنعه من أن يكون قريبا من الناس ، إجتماعيا ومساعدا لهم ، يعرف أحوالهم ويستمع إلى إنشغالاتهم ،
وفي مرحلة من تاريخ المنطقة كانت فيها العلاقات الإجتماعية تقوم بشكل كبير على المعرفة الشخصية والثقة والوساطة الإجتماعية .
شكل الشيخ محمد أشريكي واحدا من الوجوه التي أرتبط إسمها بمحاولات تهدئة الخلافات والمحافظة على السلم الإجتماعي .
ومن الصور التي بقيت عالقة في ذاكرة من عاصروه ، سياراته التي كانت تنتمي إلى جيل السيارات القديمة ، من طرازات Peugeot وCitroën وChevrolet ، والتي كانت في ذلك الزمن جزءا من المشهد اليومي الذي أرتبط بشخصية الشيخ محمد أشريكي في أزمور والحوزية.
تفاصيل صغيرة في ظاهرها لكنها اليوم تحولت إلى قطع من ذاكرة زمن مضى، حين كانت الشخصيات الإجتماعية تعرف لدى الناس ليس فقط بمناصبها، وإنما أيضا بطريقة حضورها في الحياة اليومية .
ومن الأسرة نفسها خرج إسم فني معروف ، هو نجله الفنان والمخرج السينمائي التيجاني أشريكي المقيم في سويسرا ، والذي راكم تجربة في المجال السينمائي والفنون التشكيلية ، وقدم أعمالا فنية وسينمائية ، من بينها أفلام “حاد وإيمير” و “تصنت لعظامك”، إلى جانب مشاركات ومعارض في مجال الفنون التشكيلية .
وهكذا أمتدت بصمة الأسرة من مجال الخدمة الإجتماعية والقرب من الناس إلى عوالم السينما والفن في صورة أخرى من صور الحضور الثقافي لأبناء المنطقة .
في شهر شتنبر سنة 2016، أسدل الستار على حياة الشيخ محمد أشريكي، بعد مسار أمتد لعقود ، عاش خلالها بين أزمور وأولاد سالم بالحوزية ، وظل قريبا من الناس ومن قضاياهم .
رحل الرجل ، لكن بعض البيوت لا تغلق أبوابها برحيل أصحابها ، لأنها تبقى حاضرة في ذاكرة من دخلوها ، وبعض الأسماء لا تحتاج إلى منصب أو لافتة كي تستمر، لأن ما يبقى منها هو السيرة والمواقف و حب الناس.
وهكذا ظل إسم الشيخ محمد أشريكي مرتبطا في ذاكرة أبناء أولاد سالم بالحوزية وأزمور بصورة رجل من زمن كان فيه مكان مقدس للصلح ، وللكلمة وزنها ، وللعلاقات الإنسانية قيمة كبيرة.
رحم الله الشيخ محمد أشريكي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته ، وجعل ما قدمه لأهله ومنطقته في ميزان حسناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى