24 ساعةالواجهةصحةمجرد رأي

الدكتور ابراهيم عروش يكتب : الطبيب والممرض بين المطرقة والسندان

في أيامنا هذه، كثرت الأخبار غير السارة عن الأطباء: أخبار المرض والموت والسجن. ومن خلال هذه الزاوية، أردت أن أتطرق إلى الطبيب النزيه الذي وجد نفسه بين المطرقة والسندان؛ بين سياسيين يجعلون من قطاع الصحة قطاعًا اجتماعيًا ثانويًا، وبين قضاء ومجتمع مدني لم يعودا يسمحان بخطأ طبي، ولا حتى باجتهاد طبيب يحاول المساهمة في إنقاذ مريض، رغم غياب المعدات والظروف التي لا تستجيب للمعايير الدولية.

فما ذنب الطبيب إذا طُلب منه أن يؤدي واجبه في مستشفى ينقصه التجهيز، أو في مدينة لا يتوفر فيها بنك للدم ولا مركز للتحاقن؟ وما ذنبه إذا اضطر إلى اتخاذ قرار في لحظة حرجة، بينما الوقت يمر وحالة المريض تتدهور، ولا تتوفر أمامه الوسائل التي يفترض أن تكون حاضرة في مثل هذه الحالات؟ هل يُنتظر منه أن يترك المريض لمصيره إلى أن تتوفر المعدات، أم يجتهد بما لديه لمحاولة إنقاذه، ثم يجد نفسه بعد ذلك أمام متابعة أو اتهام؟

لنتأمل حالة طبيب أخصائي في التوليد يُطلب منه الإشراف على ولادة طبيعية أو قيصرية، أو إجراء عملية جراحية في مستشفى أو مصحة لا تتوفر فيها الإمكانات الضرورية للتدخل عند وقوع مضاعفات. فالعملية، مهما كانت عادية، قد تحمل مخاطر مفاجئة. وإذا وقع نزيف ولم يتوفر الدم، أو احتاجت المريضة إلى الإنعاش ولم تكن الإمكانات حاضرة، فمن المسؤول؟ هل الطبيب وحده، لأنه كان يعلم باحتمال حدوث المضاعفات؟ أم من كلفه بالعمل في مؤسسة لا تتوفر فيها شروط مواجهتها؟ وهل يكفي أن نعرف أن الخطر كان ممكنًا، من دون أن نسأل إن كانت لدى الطبيب الوسائل اللازمة لتفاديه أو التعامل معه؟

والأمر نفسه ينطبق على حقنة قد تُعطى في مستوصف أو عيادة، ثم تتبعها صدمة تحسسية تستوجب إنعاشًا عاجلًا. هل ينبغي أن تُعطى بعض الحقن الضرورية فقط في أقسام تتوفر فيها وسائل الإنعاش؟ وإذا كان ذلك مطلوبًا، فمن المسؤول عن توفير هذه الوسائل في المؤسسات الصحية، وعن وضع قواعد واضحة تحمي المريض والطبيب معًا؟ لا يمكن أن نترك الطبيب وحيدًا أمام أسئلة كهذه، ثم نحاسبه كما لو أنه كان يعمل في ظروف مثالية تتوفر فيها المعدات والأطر والتجهيزات.

إن الطبيب لا يطلب أن يكون فوق القانون، ولا أن يُعفى من المحاسبة حين يثبت إهماله أو خطؤه. لكن هل من الإنصاف أن يُعامل اجتهاده لإنقاذ مريض، في غياب الوسائل الضرورية، كما لو كان إهمالًا متعمدًا؟ وهل يُعقل أن نطالب الطبيب بالالتزام بمعايير دولية، بينما لا توفر له المؤسسة ولا الدولة الحد الأدنى من شروط العمل التي تسمح له بتطبيقها؟

المتابعة التي تستند إلى حق المريض أو إلى أساس قانوني واضح أمر مفهوم، أما المتابعات غير الموضوعية والإقالات التي لا تستند إلى مبرر قانوني، فهي تزيد الطبيب خوفًا وترددًا في اتخاذ القرار. وحين يخشى الطبيب كل اجتهاد، فهل يبقى قادرًا على التدخل بالسرعة اللازمة؟ أم يصبح همه الأول أن يحمي نفسه من المساءلة، حتى لو كان المريض في حاجة إلى قرار عاجل؟

ثم إن قطاع الصحة لا يزال، في نظر بعض أصحاب القرار، قطاعًا اجتماعيًا يمكن تأجيل إصلاحه أو الاكتفاء بتدبير أزماته من حين إلى آخر. لكن هل الصحة شأن ثانوي فعلًا؟ أليست حياة المواطنين وكرامتهم من أولى مسؤوليات الدولة؟ وكيف نطالب الطبيب بتحمل كامل المسؤولية، إذا كانت السياسة الصحية لا توفر له التجهيزات والأطر والظروف التي تتيح له أداء واجبه؟

لقد جعلت مشقة المهنة، وضعف الإمكانات، والخوف من المتابعات القانونية وغير القانونية، دراسة الطب والعمل فيه خيارًا أقل جاذبية لدى بعض الطلبة والأطباء في دول متقدمة. وفي المقابل، تتجه أنظمة صحية أوروبية إلى استقطاب أطباء من إفريقيا وآسيا، ومنهم أطباء وجدوا في الهجرة سبيلًا للابتعاد عن ضغط العمل والظروف الصعبة. وهكذا، يصبح الطبيب الإفريقي مطلوبًا في الخارج، بينما يحتاجه بلده ويحتاج معه إلى بيئة عمل تحفظ كرامته وتساعده على خدمة مرضاه.

إن إنصاف الطبيب لا يعني إهمال حق المريض، كما أن الدفاع عن المريض لا ينبغي أن يتحول إلى تحميل الطبيب وحده تبعات أعطاب المنظومة الصحية. المطلوب هو محاسبة عادلة تميز بين الخطأ الناتج عن الإهمال، والاجتهاد الذي يبذله الطبيب في ظروف قاهرة؛ ومساءلة لا تقف عند الطبيب، بل تمتد أيضًا إلى كل من كان مسؤولًا عن غياب التجهيزات وسوء ظروف العمل. فكيف نطالب الطبيب بإنقاذ المريض، ونتركه في الوقت نفسه يعمل بلا الوسائل اللازمة، ثم نحاسبه وحده عندما لا تسير الأمور كما ينبغي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى