24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسةمجرد رأي

تفويض الدفاع للمنصوري: إجراء إداري عادي أم رسالة سياسية قبل انتخابات 2027؟

قراءة سياسية في دلالات التوقيت، وحدود التفويض الملكي، وعلاقة السلطة بالتنافس الحزبي في المغرب

بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

ليس كل قرار مؤسساتي مجرد إجراء إداري، وليس كل توقيت خالياً من الدلالات السياسية. ففي المغرب، حيث تتداخل هندسة السلطة مع التوازنات الحزبية، يصبح من المشروع طرح الأسئلة حول القرارات التي تتخذ في لحظات سياسية حساسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشؤون الدفاع الوطني وبشخصية سياسية ترتبط بحزب الأصالة والمعاصرة.

إن السؤال الذي يستحق النقاش اليوم ليس التشكيك في المؤسسات، ولا إطلاق أحكام مسبقة، بل فهم دلالات هذا التفويض، وتوقيته، والرسائل التي قد يقرأها الفاعلون السياسيون في سياقه.

أولاً: لماذا الآن، ولماذا فاطمةالزهراءالمنصوري؟

صدر الظهير الشريف رقم 1.26.92، الذي يفوّض إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ممارسة الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني، ابتداءً من 16 أكتوبر 2026، تحت سلطة الملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.

إن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه القانوني، بل أيضاً في توقيته والشخصية السياسية التي أُسندت إليها هذه الاختصاصات. فالمنصوري ليست مجرد مسؤولة حكومية؛ إنها شخصية قيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي يتولى قيادة الحكومة الجديدة.

وهنا يحق لنا أن نطرح السؤال: لماذا اختير هذا التوقيت تحديداً؟ وهل جرى تقدير الأبعاد السياسية لهذا القرار، في ظل الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أم أن الأمر يتعلق حصراً بترتيب إداري داخل مؤسسات الدولة؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوجود مخطط سياسي مسبق، لكنه يعني رفض التعامل مع القرارات الكبرى باعتبارها إجراءات تقنية لا تحتمل النقاش.

ثانياً: فؤاد عالي الهمة والأصالة والمعاصرة…أين تبدأ السياسة؟

لا يمكن تحليل موقع حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي المغربي دون استحضار فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي وأحد أبرز مؤسسي الحزب

إن الجمع بين هذا المعطى وبين وصول قيادة الحزب إلى رئاسة الحكومة، ثم صدور تفويض يتعلق بإدارة الدفاع الوطني لرئيسة الحكومة، يفتح المجال أمام تساؤلات سياسية مشروعة حول طبيعة التوازنات القائمة داخل الدولة.

لكن يجب التمييز بين الوقائع والاستنتاجات: وجود عالي الهمة المستشارالملكي و مؤسس PAM، وارتباط المنصوري بحزب الأصالة والمعاصرة، لا يثبتان وحدهما وجود توجيه ملكي لدعم الحزب انتخابياً.

ومع ذلك، فإن السؤال السياسي يبقى قائماً: كيف يمكن إقناع المواطن بأن التنافس الحزبي يجري على أساس تكافؤ الفرص، إذا كانت القرارات ذات الرمزية العالية تُقرأ باعتبارها إشارات إلى موازين القوة داخل الدولة؟

إن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات، وإنما توفير شروط الثقة والوضوح، حتى لا تتحول التأويلات السياسية إلى مصدر إضافي لتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات.

ثالثاً: هل يحمل التفويض رسالة إلى الأحزاب قبل الانتخابات المقبلة؟

تستعد الأحزاب المغربية لاستحقاقات انتخابية جديدة، وفي مقدمتها الانتخابات الجماعية المقبلة. ومن الطبيعي أن تحاول كل قيادة حزبية تعزيز موقعها والاستفادة من حضورها الحكومي.

وفي هذا السياق، يصبح من حق الرأي العام أن يناقش ما إذا كان التفويض الملكي مجرد آلية لتدبير الإدارة، أم أنه قد يُقرأ سياسياً باعتباره مؤشراً على مكانة رئيسة الحكومة داخل منظومة السلطة.

غير أن هناك فرقاً جوهرياً بين رسالة سياسية محتملة كما يقرؤها الفاعلون، وقرار رسمي بدعم حزب معين في الانتخابات. فالأولى موضوع مشروع للتحليل والنقاش، أما الثانية فتحتاج إلى أدلة واضحة.

ومن هنا، فإن السؤال الموجّه إلى الأحزاب والمؤسسات هو: ما الضمانات التي تكفل استقلال التنافس الانتخابي، وتمنع توظيف الرمزية المؤسساتية في بناء شرعية حزبية أو انتخابية؟

رابعاً: هل نحن أمام سابقة في تاريخ المغرب؟

إن القول بأن هذا التفويض سابقة مطلقة في تاريخ المغرب يحتاج إلى مراجعة شاملة للظهائر السابقة، وعدم الاكتفاء بالقراءة الحالية للقرار.

فقد سبق أن صدر ظهير سنة 2021 يفوّض اختصاصات تتعلق بإدارة الدفاع الوطني، وهو ما يجعل المقارنة مع التفويض الجديد ضرورية قبل الجزم بأنه الأول من نوعه.

والأهم أن الظهير ينص صراحة على ممارسة هذه الاختصاصات تحت سلطة الملك؛ لذلك لا يجوز الخلط بين تدبير إدارة الدفاع الوطني وبين نقل القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية.

خامساً: الديمقراطية تحتاج إلى الوضوح لا إلى التأويل وحده .

من منظور ديمقراطي ويساري، لا يكفي أن تكون القرارات سليمة من الناحية القانونية؛ بل ينبغي أيضاً أن تكون المؤسسات قادرة على تقديم ما يعزز ثقة المواطنين في حياد الدولة وتكافؤ الفرص بين الأحزاب.

فالمغرب يحتاج إلى حياة سياسية قوية، وأحزاب مستقلة في قراراتها، ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين، لا إلى مشهد تصبح فيه كل خطوة مؤسساتية مادة للصراع والتأويل.

إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل كذلك بمدى وضوح قواعد المنافسة، واستقلال الأحزاب، وقدرة المواطنين على فهم كيفية اتخاذ القرارات المؤثرة في مستقبلهم.

الخلاصة: السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه

إن تفويض الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني إلى فاطمة الزهراء المنصوري قرار ذو أساس قانوني واضح، لكنه يفتح، في سياقه السياسي، باباً واسعاً للنقاش حول العلاقة بين السلطة والمسؤولية والتنافس الحزبي.

ولا نملك دليلاً يتيح لنا الجزم بأن هذا التفويض يشكل دعماً انتخابياً لحزب الأصالة والمعاصرة، لكن غياب الدليل على ذلك لا يلغي مشروعية طرح الأسئلة حول دلالات القرار وتوقيته.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل ندعم حزباً أو نعارضه؟ بل: كيف نضمن أن تبقى الدولة ومؤسساتها فوق التنافس الحزبي، وأن تكون الانتخابات مجالاً للتنافس على أساس البرامج والكفاءة وثقة المواطنين؟

فالمغرب لا يحتاج إلى أحزاب تنتظر الإشارات، بل إلى أحزاب تمتلك استقلالية القرار، وجرأة النقد، والقدرة على تقديم بدائل حقيقية.

والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع واضحة: لا ديمقراطية حقيقية دون تكافؤ الفرص، ولا ثقة في المؤسسات دون وضوح، ولا إصلاح سياسي دون نقاش جاد ومسؤول حول حدود السلطة وعلاقتها بالأحزاب.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى