مجرد رأي

المثقف النعامة بالجديدة… حين يختبئ الصوت وتضيع البوصلة في زمن الحاجة إلى الجرأة

في لحظات التحوّل الكبرى التي تمرّ بها المجتمعات، يصبح للمثقف دورٌ يتجاوز حدود الكتابة والتعبير، ليتحوّل إلى فاعلٍ أساسي في توجيه الرأي العام وبناء الوعي الجماعي. غير أن ما يثير الانتباه، بل ويستدعي وقفة نقدية جادة، هو بروز نموذج مقلق داخل المشهد الثقافي بمدينة الجديدة، يمكن وصفه بـ”المثقف النعامة”؛ ذلك الذي يختار، عن وعي أو خوف أو مصلحة، أن يدفن رأسه في رمال الصمت كلما اشتدت الحاجة إلى الكلمة المسؤولة.

لا يتعلق الأمر هنا بإطلاق أحكام جاهزة أو تعميمات ظالمة، فالمشهد الثقافي بالجديدة يزخر بأسماء وازنة وأصوات حرة ما تزال تؤمن بأن الثقافة التزام قبل أن تكون واجهة. لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض من يُفترض فيهم حمل مشعل التنوير، أصبحوا يميلون إلى الحياد السلبي، أو إلى انتقاء مواضيع لا تُزعج أحداً، في محاولة للحفاظ على توازنات شخصية أو علاقات ظرفية، حتى وإن كان الثمن هو التخلّي عن جوهر الرسالة الثقافية.

لقد عُرفت الجديدة، تاريخياً، بكونها فضاءً خصباً للإبداع والتعدد، ومدينةً احتضنت الفكر والفن والنقاش الحر. غير أن هذا الإرث الرمزي يبدو اليوم مهدداً بنوع من “التطبيع مع الصمت”، حيث يُلاحظ أن بعض الفاعلين الثقافيين يفضّلون الانشغال بأنشطة شكلية أو مناسباتية، بدل الانخراط في قضايا المدينة الحقيقية التي تؤرق المواطن وتؤثر في حياته اليومية.

فأين صوت المثقف حين يتعلق الأمر بما يعرفه الشاطئ من اختلالات بيئية وتنظيمية؟
وأين حضوره في النقاش الدائر حول أزمة النقل الحضري وما تسببه من معاناة يومية للساكنة؟
وماذا عن غياب فضاءات ثقافية كافية تحتضن طاقات الشباب وتفتح لهم آفاق التعبير والإبداع؟
ثم كيف يمكن تبرير هذا الصمت أمام تفاقم البطالة في صفوف الشباب، وما تخلّفه من إحباطات اجتماعية ونفسية؟

إن هذه الأسئلة لا تنتظر أجوبة تقنية فقط، بل تحتاج إلى قراءة ثقافية نقدية، وإلى مثقف يملك الجرأة لطرحها بصوت عالٍ، لا أن يكتفي بدور المتفرج. فالمثقف، في جوهره، ليس كائناً محايداً، بل هو ضمير مجتمعي، وشاهد على العصر، ومسؤول عن تسمية الأشياء بأسمائها.

غير أن “المثقف النعامة” يتقن لعبة الانسحاب الناعم؛ يكتب حين يكون الكلام بلا كلفة، ويتحدث حين يكون الصمت أبلغ، ويصمت حين يصبح الكلام موقفاً. هو مثقف المناسبات، الذي يلمع في الندوات الاحتفالية، لكنه يغيب عن ساحات النقاش الحقيقي. يبرع في صياغة العبارات المنمّقة، لكنه يتفادى الاقتراب من مناطق التوتر، حيث تُختبر المواقف وتُقاس القيم.

ولعل الأخطر في هذا النموذج، أنه لا يكتفي بالانسحاب، بل يساهم – بشكل غير مباشر – في إفراغ الفعل الثقافي من معناه، وتحويله إلى مجرد ديكور اجتماعي لا تأثير له. فحين يغيب الصوت النقدي، تُفسح الطريق أمام الرداءة لتتمدد، وأمام القرارات غير المدروسة لتُمرَّر دون مساءلة، وأمام الإحباط ليترسخ في نفوس الشباب.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فداخل هذا المشهد، ما تزال هناك أصوات حقيقية، اختارت أن تكون وفية لدورها، وأن تتحمل كلفة الموقف، وأن تنحاز إلى قضايا الناس دون حسابات ضيقة. هذه الفئة، وإن كانت لا تحظى دائماً بنفس الحضور الإعلامي أو الدعم المؤسساتي، إلا أنها تشكّل النواة الصلبة لأي نهضة ثقافية ممكنة.

إن الرهان اليوم في الجديدة لا يتعلق فقط بتنظيم مهرجانات أو أمسيات شعرية، بل بإعادة الاعتبار لدور المثقف كقوة اقتراحية ونقدية. فالثقافة ليست ترفاً يُمارس في أوقات الفراغ، بل هي أداة لبناء الوعي، ووسيلة لمساءلة الواقع، وجسر يربط بين الفكر والمجتمع.

إن مواجهة ظاهرة “المثقف النعامة” لا تكون بالتشهير أو الإقصاء، بل بفتح نقاش عمومي صريح حول دور الثقافة والمثقفين، وبخلق فضاءات حقيقية للحوار، وتشجيع كل المبادرات التي تعيد للكلمة وزنها، وللموقف قيمته.

في النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تقبل الجدل:
في زمن الأزمات، لا يحتاج المجتمع إلى مثقف يصف الواقع فقط، بل إلى من يجرؤ على تغييره.
وبين مثقف يواجه، ومثقف يختبئ، تُكتب ملامح المدينة، ويُصاغ مستقبلها.

فهل تختار الجديدة مثقف الضوء… أم تكتفي بظلّ النعامة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى