المغرب: لنتوقف عن تحويل بلدنا إلى مطرح للنفايات في الهواء الطلق
بقلم جواد حكار

إلى متى سنظل نتسامح مع انعدام المسؤولية، والأوساخ، والسلوكيات غير الحضارية في فضاءاتنا العامة ؟
يجب أن نتحلى بالشجاعة لقول الحقيقة : بعض السلوكيات مخجلة بكل بساطة … والمغرب بلد جميل بشواطئه، وجباله، ومناظره الطبيعية، وتراثه، وسواحله وكلها ثروات استثنائية .
لكن يكفي أحيانًا القيام بنزهة قصيرة لاكتشاف مشهد مؤسف … هناك قنينات بلاستيكية متروكة فوق الرمال … علب مرمية على جوانب الطرق. أغلفة رقائق البطاطس، وعلب كرتونية، ومناديل، وبقايا أطعمة، وأكياس بلاستيكية تتطاير في الطبيعة ناهيك عن فضاءات عامة تحولت إلى مراحيض في الهواء الطلق، تفوح منها رائحة البول وتنتشر فيها النفايات، حتى في الأماكن التي يفترض أن تتمكن الأسر من التنزه فيها بهدوء .
والأكثر إثارة للغضب أن كثيرًا من هذه النفايات لم تصل إلى هناك بالصدفة، لقد تركها أشخاص عمدًا … نأكل ونشرب ونستمتع … ثم نترك نفاياتنا للآخرين!
فكم مرة نرى أشخاصًا يصلون إلى الشاطئ، ويفرشون أغراضهم، ويأكلون ويشربون ويستمتعون بالمنظر، ثم يغادرون تاركين كل شيء وراءهم ؟ قنينات فارغة. علب بسكويت، علبة مصبرات، أكياس مليئة بالنفايات … لماذا؟
- هل من الصعب إلى هذه الدرجة جمع نفاياتنا ووضعها في حاوية؟
- هل أصبح احترام مكان مشترك ملكًا للجميع أمرًا مبالغًا فيه؟
- متى قبلنا بأن تتحول الطبيعة إلى مطرح للنفايات، وأن يُطلب من الآخرين تنظيف ما نتركه وراءنا؟
فالمشكلة هنا ليست بيئية فقط بل مسألة احترام … احترام الجار، احترام الأطفال، احترام عمال النظافة، احترام الأجيال القادمة، وقبل كل شيء، احترام بلدنا الذي نزعم أننا نحبه، لكننا نلوثه دون خجل!
نحن فخورون بعلمنا … نحن فخورون بتاريخنا … نحن فخورون بمدننا ومناظرنا الطبيعية وكرم ضيافتنا … لكن أين يختفي هذا الفخر عندما نرمي نفاياتنا من نافذة السيارة ؟ وأين هو عندما نترك بقايا طعامنا على الشاطئ ؟ ثم أين هو عندما نسمح لأطفالنا برمي أغراضهم في الأرض دون أن نشرح لهم أن ذلك أمر غير مقبول؟
فحب الوطن لا يعني فقط التحدث عنه، بل يعني أيضًا احترامه من خلال أبسط التصرفات … والمواطن الحقيقي لا يحول بلده إلى مطرح للنفايات.
لنأخذ مثال الساحل الممتد بين أكادير وأنزا … فهذه المناطق تتوفر على مؤهلات طبيعية وسياحية كبيرة، ومع ذلك، كثيرًا ما يشوه جمالها انتشار النفايات والأوساخ المتروكة والمضايقات المختلفة … فكيف نقبل بأن تأتي الأسر للاستمتاع بالبحر فتجد فضاءات ملوثة؟ بل وكيف نقبل بأن يقطع السياح آلاف الكيلومترات لاكتشاف بلدنا، ثم يصطدموا بقنينات بلاستيكية وأكياس ومطارح عشوائية؟ وكيف نقبل بأن يعاني السكان أنفسهم يوميًا من هذا التدهور؟
يجب أيضًا الحديث عن التصريفات، والروائح، والأضرار الصناعية التي تؤثر في بعض المناطق وتثير قلق السكان المجاورين. لذلك، لا تقع المسؤولية على المواطنين وحدهم … فحتى الشركات، والتجار، والجماعات المحلية، والسلطات تتحمل بدورها مسؤوليات والتزامات … ولا يمكن أن نطالب السكان بمدينة نظيفة، بينما نتسامح مع منشآت ملوثة، وحاويات ممتلئة، وغياب المرافق الصحية العمومية.
وأخيرا تبقى التوعية والشرح والتربية أمورا ضرورية … لكنها لا تكفي دائمًا.
وفي المقابل في عدة بلدان، يواجه الأشخاص الذين يتركون نفاياتهم في الأماكن العامة عقوبات حقيقية … ففي سنغافورة مثلا، يمكن أن يُحكم على بعض المخالفين بتنظيف الفضاءات العامة.
وهنا وجب التساؤل :
- لماذا لا نطور في المغرب نظامًا رادعًا مماثلًا، يتلاءم مع تشريعاتنا؟
- لماذا لا يتم تحرير مخالفات بشكل منتظم في حق الأشخاص الذين يتم ضبطهم متلبسين؟
- لماذا لا يتم اعتماد عقوبات تدريجية وأعمال للنفع العام، بما في ذلك تنظيف الفضاءات العامة، مع احترام المساطر القضائية؟
يجب وضع حد للشعور بالإفلات من العقاب وكل من يلوث الفضاء العام عمدًا يجب أن يعلم أن تصرفه قد تكون له عواقب فورية عوض الإعتماد فقط على ملصقات أو شعارات أو حملات تنظيف تنظم أمام الكاميرات .. وهذا بالطبع يتطلب موارد بشرية ولوجيستيكية مناسبة ونتائج ملموسة.
النظافة ليست مسؤولية الشرطة أو الغرامات وحدها إنها تبدأ في المنزل وتنتقل إلى المدرسة وتُبنى من خلال القدوة. فماذا سيتعلم الطفل عندما يرى والده يرمي قنينة من نافذة السيارة؟ وما الرسالة التي تصله عندما يرى الكبار يتركون نفاياتهم على الشاطئ؟ يجب أن نعلم الأطفال أن رمي ورقة في الأرض ليس تصرفًا عاديًا، ويجب أن نشرح لهم أن الفضاء العام يستحق الاحترام نفسه الذي نمنحه لبيوتنا، وهنا على الكبار أن يقدموا المثال.
وختاما هيئات حقوقية وجمعيات تطالب بتعبئة وطنية حقيقية لمواجهة السلوكيات غير الحضارية التي تضر بالبيئة وبمزيد من المراقبة، وبعقوبات فعالة، وبسياسة طموحة للنظافة العمومية.
كما تطالب بتوفير حاويات يسهل الوصول إليها، ومراحيض عمومية نظيفة، وجمع منتظم للنفايات، ووسائل بسيطة تمكن المواطنين من التبليغ عن المطارح العشوائية. وبمراقبة جدية للأنشطة التي يمكن أن تلوث شواطئنا وهواءنا وبيئتنا.
المغرب في بنيته التحتية، ويطور قطاعه السياحي، ويعمل على تحديث مدنه. ولا يمكنه أن يسمح للسلوكيات غير المسؤولة بتدمير هذه الجهود.
نعم النظافة ليست رفاهية، أو امتيازًا مخصصًا للسياح. بل هي حق للسكان وواجب على الجميع … والعار ليس في جمع النفايات، بل في رميها .
أما إلى الذين يتركون قنيناتهم وعلبهم وأغلفتهم وبقايا طعامهم فنقول لهم :
- بلدكم ليس مطرحًا لنفاياتكم.
- الشاطئ ليس مكبًا للنفايات.
- الشارع ليس مرحاضًا.
- الغابة ليست مطرحًا عشوائيًا.
- عمال النظافة ليسوا خدمًا عند أحد.
- ولا أحد يطلب منكم تنظيف المغرب كله.
- المطلوب منكم ببساطة هو ألا تلوثوه.
المغرب النظيف ليس حلمًا مستحيلًا. إنه مسألة مسؤولية واحترام وإرادة جماعية.
المغرب يستحق الأفضل. وأطفالنا يستحقون الأفضل. وقد حان الوقت ليدرك كل واحد منا ذلك.
فاحترام المغرب يعني أيضًا الحفاظ على نظافته.
ولا تسامح مع السلوكيات غير الحضارية. لا إفلات من العقاب في حق الملوثين.





