الملك محمد السادس بين عفو الأجانب وصرخة أبناء الوطن: من يحاصر صورة الملكية ويدفع المغرب نحو فقدان الثقة ؟
بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

قال الله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ صدق الله العظيم.
وقال سبحانه : ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
لا أحد يمكنه الدفاع عن العنف أو الشغب أو التخريب داخل الملاعب أو خارجها، فالعنف مدان أخلاقياً ودينياً وقانونياً، سواء صدر عن مشجع مغربي أو سنغالي أو أي طرف آخر. والرياضة يفترض أن تكون فضاءً للتسامح والتعارف بين الشعوب، لا ساحة للفوضى والكراهية و تخدير الشعوب. لذلك فإن إدانة أعمال الشغب التي عرفها نهائي كأس إفريقيا أمر مبدئي لا نقاش فيه.
لكن، وفي المقابل، فإن قرار العفو الذي صدر في حق بعض المشجعين السنغاليين، رغم ما يحمله من أبعاد إنسانية ودبلوماسية إيجابية، خصوصاً في هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجة، فتح نقاشاً سياسياً وحقوقياً عميقاً داخل المجتمع المغربي. لأن المغاربة يتساءلون اليوم: لماذا يُفتح باب الرحمة والتسامح مع الأجنبي، بينما يُغلق في وجه أبناء الوطن الذين خرجوا للاحتجاج الاجتماعي أو التعبير عن الرأي؟
إن هذا السؤال لا يجب أن يُفهم باعتباره استهدافاً للمؤسسة الملكية أو للملك محمد السادس، بل هو صرخة سياسية واجتماعية ضد المحيط الذي يقدّم التقديرات والقراءات والاقتراحات، والذي قد يدفع أحياناً نحو قرارات تخلق شعوراً بالتمييز داخل المجتمع المغربي. فالخطير في الأمر أن يشعر المواطن المغربي بأن هناك ميزانين مختلفين: ميزاناً للملفات ذات البعد الخارجي والدبلوماسي، وميزاناً آخر لأبناء الشعب الذين طالبوا بالكرامة والعدالة الاجتماعية.
لقد خرج شباب حراك الريف، وشباب جرادة، والزاكورة، واحتجاجات 20 فبراير، و حراك شباب جيل Z وغيرهم من النشطاء والمدونين، وهم يرفعون مطالب اجتماعية مرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والماء والكرامة ومحاربة الفساد. لم يكونوا يحملون مشروعاً لتخريب الوطن او اسقاط النظام، بل كانوا يصرخون خوفاً على الوطن ومن أجل الوطن. وربما أخطأ بعضهم في الأسلوب أو التقدير السياسي، لكن معالجة الاحتجاج الاجتماعي بالعقاب وحده لا تبني الثقة، ولا تصنع الاستقرار الحقيقي.
قال الله تعالى:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
إن الدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن، بل أيضاً بقدرتها على امتصاص الغضب الاجتماعي وفتح أبواب المصالحة الوطنية. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الاستقرار الدائم لا يقوم على الخوف، بل على العدالة والإنصاف والشعور الجماعي بالمواطنة الكاملة.
إن الأم التي تبكي ابنها المعتقل بسبب احتجاج اجتماعي أو رأي سياسي لا تفهم لماذا يُعفى عن مشجع أجنبي تورّط في أعمال شغب، بينما يبقى ابنها بعيداً عنها لسنوات. وهنا يتولد الإحساس بالغبن، وتتسع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ومن هنا، فإن الحكمة السياسية تقتضي توسيع منطق العفو والمصالحة ليشمل كل الملفات ذات الطابع الاجتماعي والسياسي والحقوقي، بما ينسجم مع صورة المغرب كدولة تسامح وحوار واستقرار، وبما يعزز مكانة الملك محمد السادس كرمز لوحدة الأمة وضامن للتوازن داخل الدولة والمجتمع.
أما أخطر ما في هذه المرحلة، فهو أن بعض الجهات قد تدفع نحو اختيارات تُحرج المؤسسة الملكية أمام الرأي العام الداخلي، وتخلق احتقاناً نفسياً واجتماعياً خطيراً. لأن حماية صورة الملكية لا تكون بالشعارات ولا بحملات التلميع، بل بتحقيق العدل والإنصاف والإنصات الحقيقي لمعاناة المواطنين.
وفي ختام هذا النقاش، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا احتجّ هؤلاء الشباب؟ بل: من الذي أوصلهم إلى الاحتجاج واليأس وفقدان الثقة؟ فالمحاسبة السياسية والأخلاقية يجب أن تتجه أولاً نحو الأحزاب السياسية والنقابات التي تخلّت عن دورها الدستوري و التاريخي في التأطير والتوعية والدفاع عن قضايا المواطنين. لقد تحوّل جزء كبير من هذه الهيئات، في نظر فئات واسعة من الشعب، إلى مجرد شركات انتخابية موسمية تفتح أبوابها أيام الانتخابات ثم تختفي بعد ذلك، مكتفية ببيانات باهتة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بينما تستفيد من الدعم العمومي ومالية الدولة دون أثر حقيقي على حياة الناس.
إن الشباب الذين خرجوا للاحتجاج هم في جزء كبير منهم ضحايا الفراغ السياسي والنقابي، وضحايا انهيار الثقة في الوساطة الحزبية والمؤسساتية. وعندما تفشل الأحزاب والنقابات في نقل صوت الشعب والدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، فإن الشارع يصبح هو لغة الاحتجاج الوحيدة. لذلك فإن من وجب مساءلتهم ومحاسبتهم سياسياً وأخلاقياً و قانونيًا هم الذين فرّطوا في مسؤولية التأطير والترافع، وحوّلوا العمل السياسي إلى تجارة انتخابية ومصالح ضيقة، لا أولئك الشباب الذين حلموا فقط بوطن يضمن لهم الكرامة والعيش الكريم.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى عدالة تُعيد الثقة، وإلى مصالحة تُطفئ الاحتقان، وإلى نخب سياسية حقيقية تؤمن بخدمة الوطن لا باستنزافه. لأن الأوطان لا تُبنى بالخوف والإقصاء، بل بالعدل والكرامة والرحمة والإنصاف.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





