حين يعلو ضجيج الانتخابات، يبقى الوطن أكبر من الشعارات… وصوت المواطن أمانة لا تُشترى ولا تُباع.
حين يعلو ضجيج الانتخابات، يبقى الوطن أكبر من الشعارات… وصوت المواطن أمانة لا تُشترى ولا تُباع.

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتكاثر الخطابات والوعود والشعارات، ويعلو أحياناً منسوب الضجيج على حساب النقاش الجاد حول قضايا المواطنين وانتظاراتهم الحقيقية.
وفي خضم هذا المشهد، يصبح من الضروري أن يتوقف المواطن المغربي لحظة، بعيداً عن العاطفة والحسابات الضيقة، ليسأل كل من يطلب صوته: ماذا قدمت؟ وماذا ستقدم؟ وأين كنت عندما كانت قضايا المواطنين تحتاج إلى من يحملها ويدافع عنها؟
إن الانتخابات ليست مجرد موسم للصور واللافتات والخطب، وليست مناسبة لتبادل الوعود التي تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية. إنها مسؤولية واختيار يتعلقان بمستقبل الوطن والمواطنين.
ومن هنا، فإن النداء موجه إلى كل مواطن مغربي حر وكريم: لا تجعل صوتك مجرد ورقة في صندوق الاقتراع، بل اجعله تعبيراً عن وعيك بحقوقك وحرصك على مستقبل وطنك وأبنائك.
ومن بين الملفات التي تستحق أن تكون في صلب النقاش الانتخابي قضية المغاربة المقيمين بالخارج، الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من المجتمع المغربي، ويحافظون على صلاتهم بوطنهم، ويساهمون في اقتصاده وتنميته.
لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه اليوم هو:
ماذا قدم بعض الذين يقدمون أنفسهم لتمثيل مغاربة العالم؟
ماذا قدموا للمغاربة المسنين المقيمين في أوروبا؟
ماذا قدموا للطلبة المغاربة الذين يجد بعضهم نفسه في ظروف اجتماعية صعبة؟
ماذا قدموا للمغاربة الذين يعيشون أوضاعاً هشّة ويواجهون صعوبات إدارية واجتماعية وقانونية؟
وماذا قدموا للمغاربة الذين يعيشون في وضعية غير نظامية في بعض البلدان الأوروبية، رغم أن بعضهم يعمل ويدفع الضرائب ويساهم في اقتصاد بلدان الإقامة؟
هذه الفئات لا تحتاج إلى صور انتخابية ولا إلى خطابات موسمية فقط، وإنما تحتاج إلى من يحمل قضاياها بجدية، ويتابع ملفاتها، ويدافع عن مصالحها، ويظل قريباً منها قبل الانتخابات وبعدها.
والحديث هنا لا يتعلق بدولة واحدة فقط، بل يكتسب أهمية خاصة في بلدان تضم جاليات مغربية كبيرة، وفي مقدمتها فرنسا.
الترشح للانتخابات حق مشروع، وتمثيل المواطنين مسؤولية ثقيلة.
لكن من حق المواطن أن يسأل المرشح، أياً كان انتماؤه الحزبي:
ماذا فعلت خلال السنوات الماضية؟
ما الملفات التي تابعتها؟
ما المبادرات التي دافعت عنها؟
كم من مشكلة لمغربي أو مغربية حملتها إلى المؤسسات؟
ما الذي تغير فعلاً بفضل تدخلاتك؟
وما الوعود التي تحققت، وما الذي بقي مجرد كلام انتخابي؟
إن المواطن اليوم لم يعد يريد سماع الشعارات فقط، بل يريد الحصيلة والوثيقة والنتيجة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الكلمات التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المواطنين في خطاب سنة 2007، حين قال:
«إنكم بالإدلاء بأصواتكم، لا تختارون من يمثلكم للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما تحددون أيضاً مستقبلكم ومستقبل أبنائكم، فعليكم ألا تراهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له.»
وهي رسالة تضع مسؤولية الاختيار في يد المواطن، وتذكر بأن الصوت الانتخابي ليس سلعة، وأن القرار الذي يتخذه الناخب لا ينبغي أن يكون خاضعاً للضغط أو الإغراء أو الوعود غير القابلة للقياس.
اليوم، ونحن نعيش أجواء انتخابية يختلط فيها الجاد بالهامشي، والبرنامج بالشعار، علينا ألا نسمح للتفاهة السياسية بأن تحجب القضايا الحقيقية للمغاربة.
المواطن يريد مدرسة أفضل، وصحة تحفظ كرامته، وإدارة أكثر نجاعة، وفرصاً للشباب، وحماية اجتماعية، وعدالة ومساواة في الولوج إلى الحقوق.
ومغاربة العالم يريدون، بدورهم، أن تكون قضاياهم حاضرة بالفعل، لا أن تتحول إلى ملف يُفتح فقط عندما تقترب الانتخابات، لذلك، فإن المطلوب ليس مقاطعة الانتخابات، ولا التشكيك في العملية السياسية، وإنما المشاركة الواعية والمسؤولة، ومحاسبة من يطلب ثقة المواطن على أساس ما قدمه وما يقترحه بوضوح.
إلى المواطن المغربي…
لا تسأل فقط: من يتحدث بشكل أفضل؟
بل اسأل:
من لديه حصيلة؟
من لديه برنامج واضح؟
من يمكن مساءلته؟
من كان حاضراً عندما كانت الحاجة إليه؟
ومن يستطيع تحويل الكلام إلى عمل؟
فالأصوات أمانة، والتمثيلية مسؤولية، والوطن ليس حملة انتخابية تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع.
فلنضع مصلحة المغرب والمغاربة فوق كل اعتبار، ولنترك للتاريخ وللمواطن الحكم على من يستحق ثقته من خلال العمل والإنجاز، لا من خلال كثرة الشعارات والوعود.





