الدروش يكتب : لا ثقة دائمة في واشنطن وتل أبيب: من يراهن عليهما يراهن على السراب
الصحراء المغربية بين رهانات التطبيع وحسابات المصالح وثروات البلاد بين خدمة المواطن ومصالح الخارج

بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي.
في عالم تحكمه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، لا توجد صداقات سياسية أبدية، ولا تحالفات مضمونة إلى ما لا نهاية. فالدول الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة أو الوفاء لحلفائها، بل وفق حسابات القوة والنفوذ والأمن والاقتصاد. وعندما تتعارض مصالحها مع مصالح شركائها، تصبح التحالفات والوعود والاتفاقيات نفسها قابلة للمراجعة والمساومة.
ومن هنا، يطرح سلوك الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً في عهد دونالد ترامب، سؤالاً جوهرياً حول حقيقة التحالفات الدولية وحدود الاعتماد عليها: هل يمكن للدول أن تبني مستقبلها وأمنها ومصالحها الاستراتيجية على وعود واشنطن وتل أبيب، في وقت تتغير فيه الأولويات بتغير الظروف والحسابات؟
إن الرهان المطلق على القوى الكبرى، باعتبارها ضامناً دائماً للمصالح الوطنية، يتجاهل حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: كل دولة تسعى أولاً إلى حماية مصالحها، ولا يمكن افتراض أن مصالح حلفائها ستظل دائماً في مقدمة أولوياتها.
أولاً: ترامب.. عندما تتحول السياسة الخارجية إلى صفقة تجارية
يتعامل دونالد ترامب مع السياسة الخارجية بمنطق الصفقات والمكاسب المباشرة، حيث تتقدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية على كثير من الاعتبارات التقليدية التي حكمت العلاقات بين الدول.
وتكشف الملفات المرتبطة بالطاقة والحرب الروسية الأوكرانية والعلاقات مع الحلفاء عن حجم التناقضات التي قد تواجه السياسة الأمريكية، عندما تتعارض الالتزامات الخارجية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.
فواشنطن التي تفرض العقوبات وتدعم حلفاءها، يمكن أن تعيد النظر في بعض خياراتها عندما تجد أن استمرارها مكلف اقتصادياً أو لا يخدم أولوياتها الجديدة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن جميع حلفائها، بل يعني أن طبيعة الدعم الأمريكي وشروطه وحجمه تظل مرتبطة بحسابات المصالح الأمريكية.
وهنا تكمن الإشكالية: كيف يمكن لحليف أن يطمئن إلى وعود قوة كبرى، بينما تظل هذه الوعود خاضعة لتغير الإدارات السياسية وموازين القوى والضغوط الاقتصادية؟
إن السياسة الأمريكية، سواء في عهد ترامب أو غيره، تفرض على الدول الأخرى التمييز بين المصالح المشتركة والضمانات المطلقة؛ فالمصالح قد تستمر ما دامت متبادلة، أما الضمانات الأبدية فلا وجود لها في عالم السياسة.
ثانياً: أوكرانيا والسعودية.. حدود الرهان على الحماية الأمريكية
تقدم الحرب الروسية الأوكرانية مثالاً على المخاطر التي تواجه الدول عندما يصبح أمنها مرتبطاً باستمرار الدعم الخارجي.
فالمساعدات العسكرية والمالية الأمريكية لأوكرانيا ترتبط بحسابات استراتيجية وسياسية داخل الولايات المتحدة، ويمكن أن يتغير مستواها وشكلها وشروطها وفقاً لأولويات الإدارة الأمريكية.
كما تطرح العلاقات الأمريكية السعودية أسئلة متجددة بشأن حدود الحماية التي يوفرها التحالف الاستراتيجي، ومدى استعداد واشنطن لتحمل تكاليف التدخل العسكري عندما تختلف تقديرات الطرفين بشأن الأزمات الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت نهائياً عن أوكرانيا أو السعودية، وإنما يكشف أن التحالفات لا تلغي احتمال تضارب المصالح، ولا تعفي الدول من بناء قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها.
فالاعتماد الكامل على الحماية الخارجية قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما تتغير حسابات الحليف أو تتبدل أولوياته.
وإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق على دول ترتبط بواشنطن بعلاقات عسكرية واقتصادية عميقة، فإنها تستحق أن تكون موضع تفكير استراتيجي لدى كل دولة تراهن على الدعم الأمريكي لحماية مصالحها الحيوية.
ثالثاً: المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة.. هل يكفي التطبيع لحسم قضية الصحراء المغربية؟
نصل هنا إلى القضية الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب، والأكثر ارتباطاً بوحدته الترابية ومستقبله الاستراتيجي: قضية الصحراء المغربية.
لقد دخلت العلاقات المغربية الأمريكية مرحلة مهمة بعد الإعلان الثلاثي في ديسمبر 2020، الذي تضمن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.
وفي يوليوز 2023، أعلنت إسرائيل بدورها اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما عزز الرهان على توظيف العلاقات مع واشنطن وتل أبيب لدعم الموقف المغربي وتوسيع الاعترافات الدولية، إلى جانب تطوير التعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو: هل يكفي التطبيع مع إسرائيل والاعتماد على الاعتراف الأمريكي لضمان الحسم النهائي لقضية الصحراء المغربية؟
إن قراءة التطورات الدبلوماسية تفرض التمييز بين الاعترافات الثنائية وبين التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في إطار المسار الأممي.
فقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 دعم المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، مع الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير. وبالتالي، لا يصح القول إن القضية عادت حرفياً إلى نقطة الصفر، لكن استمرار المسار التفاوضي يؤكد أن الملف لم يُحسم نهائياً بعد.
وهنا يبرز السؤال السياسي المشروع: إذا كانت الاعترافات الأمريكية والإسرائيلية قد عززت الموقف المغربي، فهل يكفي التعويل عليها وحدها، أم أن المطلوب هو بناء استراتيجية وطنية ودبلوماسية أوسع تجعل المكاسب المحققة أكثر رسوخاً؟
إن الاعتراف الأمريكي، مهما كانت أهميته، لا يعني أن جميع القوى الدولية ستتبنى الموقف نفسه، كما أن الاعتراف الإسرائيلي لا يمنح تل أبيب القدرة على حسم النزاع وحدها.
فالولايات المتحدة دولة لها مصالحها الخاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما أن إسرائيل تتحرك وفق حساباتها الأمنية والاقتصادية والإقليمية. وقد تتقاطع هذه المصالح مع المصالح المغربية في ملفات معينة، لكنها لا تتطابق بالضرورة في جميع الظروف.
ومن ثم، فإن الحكمة السياسية تقتضي الاستفادة من هذه العلاقات دون تحويلها إلى رهان مطلق، وبناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية التي تدعم الموقف المغربي وتحمي استقلالية القرار الوطني.
رابعاً: الصحراء المغربية.. ثروات وطنية أم أوراق في لعبة المصالح؟
لا يمكن فصل قضية الصحراء المغربية عن أبعادها الاقتصادية والاستراتيجية.
فالأقاليم الجنوبية تزخر بإمكانات مهمة في مجالات الصيد البحري والفلاحة والموارد المعدنية والطاقات المتجددة، كما تتمتع بموقع استراتيجي يربط المغرب بعمقه الإفريقي ويفتح أمامه آفاقاً اقتصادية وتجارية واسعة.
وهذه الإمكانات تجعل المنطقة محط اهتمام اقتصادي ودبلوماسي، وتطرح أسئلة مشروعة حول كيفية تدبير الموارد، وتوزيع عائداتها، وضمان استفادة المواطنين منها.
ومن هنا، ينبغي أن نطرح السؤال بصراحة: من يستفيد من الثروات، وكيف تُبرم الاتفاقيات المتعلقة باستغلالها، وما حجم العائدات التي تعود على الاقتصاد الوطني والمواطنين، وما الضمانات التي تحول دون تحول الموارد المغربية إلى مجرد مصدر للأرباح الخارجية؟
إن الدفاع عن الوحدة الترابية لا ينبغي أن يختزل في عدد الاعترافات الدولية، بل يجب أن يرتبط أيضاً بالدفاع عن الثروة الوطنية والعدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة.
فلا معنى لأن يتحول الموقع الاستراتيجي للمغرب وموارده الطبيعية إلى عناصر قوة في الحسابات الدولية، بينما يظل المواطن يتساءل عن نصيبه من ثروة بلاده وعن أثر هذه الثروة على حياته اليومية.
الصحراء المغربية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل قضية سيادة وتنمية وعدالة اقتصادية، وثرواتها يجب أن تكون في خدمة الوطن والمواطن أولاً.
وهذا يقتضي شفافية أكبر في الاتفاقيات الاقتصادية، وتقييماً دورياً لعائداتها، ونشر المعطيات المتعلقة بمردوديتها، وتعزيز الرقابة البرلمانية والمؤسساتية على تدبير الموارد العمومية.
كما يقتضي أن تكون أي شراكة اقتصادية مع الخارج قائمة على المنفعة المتبادلة، لا على افتراض أن المواقف السياسية الداعمة للمغرب تمنح الشركاء حقاً مفتوحاً في الاستفادة من ثرواته.
خامساً: اتفاقيات الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي.. من يستفيد فعلياً؟
يشكل الصيد البحري أحد الملفات التي تستحق نقاشاً اقتصادياً وسياسياً جدياً، بالنظر إلى أهمية الثروة السمكية في الاقتصاد المغربي، ودورها في التشغيل والتصدير والأمن الغذائي.
وقد عرفت العلاقات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي اتفاقيات تتعلق بالمنتجات الزراعية والمنتجات السمكية، لكن هذه العلاقات واجهت أيضاً تعقيدات قانونية وسياسية مرتبطة بتطبيق الاتفاقيات على الصحراء الغربية.
ففي 4 أكتوبر 2024، أصدرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أحكاماً بشأن الاتفاقيات التجارية المتعلقة بالمنتجات الزراعية والصيد البحري، واعتبرت أن الاتفاقيات المعنية لم تستوفِ شروطاً مرتبطة بموافقة شعب الصحراء الغربية وفق المبادئ القانونية التي تناولتها المحكمة. كما أشارت إلى أن اتفاق الصيد المعني كان قد انتهى مفعوله في يوليوز 2023.
وهذه التطورات تبرز أن الاتفاقيات الاقتصادية ليست مجرد أرقام تجارية، بل ترتبط أيضاً بالقانون الدولي وبالسيادة وبالمصالح الاقتصادية للأطراف المعنية.
لكن السؤال الذي يهم المواطن المغربي لا ينبغي أن يتوقف عند الجدل القانوني والدبلوماسي، بل يجب أن يمتد إلى تقييم المردودية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاتفاقيات.
هل يستفيد الصياد المغربي بما يكفي من الثروة البحرية؟ وهل تنعكس عائدات القطاع على فرص الشغل والأجور وأسعار السمك في الأسواق الوطنية؟ وهل توجد آليات كافية لضمان استدامة الموارد البحرية وحماية مصالح الصيادين الصغار؟
إن مصلحة المغرب لا تتحقق بمجرد توقيع الاتفاقيات، بل بمدى قدرتها على خلق قيمة مضافة داخل البلاد، وحماية الثروة السمكية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين ظروف عيش المواطنين.
فالاتفاقية الناجحة ليست تلك التي تزيد حجم المبادلات التجارية فقط، بل تلك التي يشعر المواطن المغربي بنتائجها في دخله وقدرته الشرائية وفرص العمل المتاحة أمامه.
سادساً: المنتجات المغربية في أوروبا أرخص وأحياناً أفضل.. فلماذا يعاني المستهلك المغربي؟
من المفارقات التي يثيرها عدد من المواطنين والفاعلين الاقتصاديين أن بعض المنتجات المغربية، خصوصاً الخضر والفواكه والأسماك، قد تُعرض في أسواق أوروبية بأسعار تنافسية، بينما يجد المستهلك المغربي نفسه أمام أسعار مرتفعة في السوق الوطنية.
كما يلاحظ بعض المستهلكين أن المنتجات المغربية المعروضة في الخارج تتميز أحياناً بجودة أفضل أو بمعايير عرض وتغليف أكثر ملاءمة من المنتجات المتاحة في السوق المحلية.
لكن إثبات هذه الفوارق بصورة عامة يحتاج إلى مقارنة دقيقة تأخذ في الاعتبار نوع المنتج وموسمه وتكاليف النقل والتوزيع والضرائب وهوامش الربح والقدرة الشرائية في كل سوق.
ومع ذلك، فإن السؤال الاقتصادي الذي تثيره هذه الملاحظات مشروع: لماذا لا يستفيد المواطن المغربي بالقدر الكافي من المنتجات التي ينتجها بلده؟
ولماذا يمكن أن تصل بعض المنتجات المغربية إلى المستهلك الأوروبي بأسعار تنافسية، بينما ترتفع أسعارها محلياً إلى مستويات تثقل كاهل الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود؟
إن المشكلة لا يمكن اختزالها في اتفاقية واحدة أو طرف خارجي واحد، بل تتطلب دراسة سلاسل الإنتاج والتسويق والتصدير، وأدوار الوسطاء، وتكاليف النقل والتخزين، ومستوى المنافسة، ومدى احترام قواعد السوق.
كما تتطلب مساءلة السياسات العمومية المتعلقة بحماية المستهلك وتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربات غير المشروعة.
ومن حق المواطن أن يعرف لماذا ترتفع أسعار بعض المنتجات الأساسية، ومن يستفيد من الفارق بين سعر المنتج عند المصدر وسعره النهائي في السوق.
فليس مقبولاً أن تتحول القدرة التصديرية للمغرب إلى مصدر للفخر وحده، بينما يعاني جزء من المواطنين من صعوبة اقتناء المنتجات الأساسية التي تنتجها بلادهم.
نريد مغرباً يصدر منتجاته إلى العالم، لكنه يضمن أيضاً أن تكون هذه المنتجات في متناول مواطنيه، وأن تكون الأولوية للأمن الغذائي والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.
فالنجاح الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الصادرات والأرباح، بل كذلك بمدى انعكاس هذه المؤشرات على مستوى عيش المواطنين.
سابعاً: لا ينبغي أن يكون التطبيع ثمناً للمصالح الوطنية
إن السؤال المطروح ليس ما إذا كان المغرب ينبغي أن يتعاون مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الاتحاد الأوروبي، بل كيف يمكنه إدارة هذه العلاقات بما يخدم مصالحه الوطنية ويحافظ على استقلالية قراره.
فالتعاون الدولي يمكن أن يحقق مكاسب مهمة في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والأمن والتجارة، لكنه يحتاج إلى توازن واضح في المصالح وإلى تقييم مستمر لنتائجه.
ولا ينبغي أن تتحول الاعترافات السياسية إلى مبرر للتساهل في حماية الموارد الوطنية، أو أن تصبح العلاقات الدبلوماسية بديلاً عن بناء اقتصاد قوي وقادر على المنافسة.
كما ينبغي ألا تتحول الاتفاقيات التجارية إلى التزامات لا تخضع للمراجعة والتقييم، بل يجب أن تكون موضوع نقاش مؤسساتي شفاف، يحدد مكاسب المغرب والتزاماته، ويقيس أثر الاتفاقيات على التشغيل والإنتاج الوطني والقدرة الشرائية.
إن الدولة التي تحترم مصالحها هي التي تتفاوض من موقع القوة، وتستفيد من شراكاتها دون أن ترهن مستقبلها بها.
المطلوب ليس الانغلاق على العالم، وإنما الانفتاح الواعي الذي يجعل من الشراكات وسيلة لتعزيز السيادة، لا مدخلاً إلى التبعية الاقتصادية أو السياسية.
ثامناً: الرهان الحقيقي هو بناء مغرب قوي وعادل
إن الرهان على الولايات المتحدة أو إسرائيل وحدهما لا يكفي لبناء استراتيجية وطنية ناجحة، كما أن رفض التعاون معهما بصورة مطلقة لا يمثل بحد ذاته حلاً لجميع التحديات.
المطلوب هو اعتماد سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تنويع الشركاء، وتعزيز العلاقات الإفريقية والأوروبية والآسيوية، وتوسيع التعاون الاقتصادي وفق معايير واضحة، مع الحفاظ على استقلالية القرار المغربي.
وفي الوقت نفسه، لا بد من بناء اقتصاد وطني منتج، وتطوير الصناعة والتحويل الغذائي، وتعزيز البحث العلمي، وحماية الموارد الطبيعية، وتحسين شروط المنافسة، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو.
كما أن تقوية الجبهة الداخلية تتطلب محاربة الفساد والريع والاحتكار، وتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يشعر المواطن بأن الثروة الوطنية ليست امتيازاً لفئة محدودة، بل رصيداً مشتركاً يجب أن يستفيد منه الجميع.
فالدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً ومؤسسات فعالة ومجتمعاً متماسكاً تستطيع التفاوض مع القوى الكبرى من موقع أكثر استقلالية، وتكون أقل عرضة للضغط والابتزاز.
أما الدولة التي تعاني اختلالات داخلية عميقة، فقد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات لا لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها لا تحسن دائماً تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية.
الخاتمة: لا ثقة مطلقة في واشنطن وتل أبيب.. والثروة الوطنية ليست للمساومة
إن ما تكشفه التحولات الدولية هو أن التحالفات تتغير بتغير المصالح، وأن الدول الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتبدل الظروف.
والولايات المتحدة، مثل غيرها من القوى الكبرى، تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. وإسرائيل بدورها تتحرك وفق حساباتها الإقليمية والأمنية والاقتصادية. أما الاتحاد الأوروبي، فرغم شراكاته التجارية مع المغرب، فإنه يدافع كذلك عن مصالحه الاقتصادية والقانونية والسياسية.
ولهذا، فإن التعامل مع هذه الأطراف يجب أن يقوم على الواقعية والوضوح، بعيداً عن الأوهام الدبلوماسية أو الرهان المطلق على الوعود الخارجية.
وفي قضية الصحراء المغربية، ينبغي مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية وتعزيز الموقف المغربي دولياً، مع عدم اختزال القضية في اعترافات ثنائية، بل ربطها باستراتيجية شاملة تشمل التنمية والاقتصاد والدبلوماسية وتثبيت المصالح الوطنية.
وفي المجال الاقتصادي، يجب مراجعة الاتفاقيات عند الحاجة، وتقييم نتائجها بشفافية، وضمان استفادة المغرب والمواطن المغربي من مواردهما، سواء تعلق الأمر بالثروة السمكية أو المنتجات الفلاحية أو الموارد المعدنية أو غيرها من القطاعات الحيوية.
إن المطلوب هو مغرب قوي في علاقاته الخارجية، مستقل في قراره، عادل في توزيع ثرواته، قادر على حماية مصالحه، ومنفتح على العالم دون أن يكون رهينة لأي قوة خارجية.
فلا الصداقة السياسية دائمة، ولا التحالفات أبدية، ولا الاعترافات الخارجية بديل عن القوة الذاتية.
الصحراء المغربية ليست ورقة للمساومة، وثروات المغرب ليست غنيمة لأحد، ومصلحة المواطن المغربي يجب أن تظل فوق كل اعتبار.
ومن يراهن على واشنطن أو تل أبيب أو أي قوة كبرى وحدها، من دون بناء عناصر القوة الوطنية، يراهن على معادلة قد تتغير عندما تتغير المصالح.
أما الرهان الحقيقي، فهو على مغرب يمتلك قراره، ويحمي ثرواته، وينصف مواطنيه، ويقيم علاقاته الدولية على أساس الندية والمنفعة المتبادلة.
لأن الحليف الذي لا يتغير بتغير المصالح هو قوة الوطن، ولأن أقوى ضمانة للسيادة ليست وعداً خارجياً، بل دولة قوية وشعباً يتمتع بحقوقه وثروات وطنية تخدم الجميع.





