24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

خطبة الجمعة: منبر الجمعة ليس صامتاً… واتقوا الله في شعب المغرب

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

بأسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، القائل: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
عباد الله،
إن من أخطر ما يصيب المجتمعات أن يصبح الظلم عادياً، والفساد مألوفاً، والفقر قدراً محتوماً، وأن تتحول السياسة من خدمة الناس إلى تجارة بأصواتهم وآلامهم ومعاناتهم.
ونحن اليوم، ونحن نقترب من استحقاقات انتخابية جديدة، أمام سؤال كبير:
أين منبر الجمعة من هموم المواطنين والمواطنات؟
أين كلمة الحق عندما يشتد الفقر؟
أين النصيحة عندما تتفاقم معاناة الناس؟
وأين صوت العلماء والخطباء عندما تتحول الانتخابات إلى صراع على المصالح والمواقع؟
إن منبر الجمعة ليس منصة حزبية، ولا مكاناً للدعاية الانتخابية، ولكنه كذلك ليس منبراً معزولاً عن واقع الأمة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.
فإذا كان الله يأمر بالعدل وينهى عن البغي، فكيف يصمت الواعظ عن الظلم؟
وإذا كان الإسلام جعل الأمانة مسؤولية، فكيف لا يُذكَّر المسؤول بأن المنصب أمانة وليس غنيمة؟
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
عباد الله،
السياسي الذي يطلب ثقة الناس يجب أن يعرف أن أصوات المواطنين أمانة وشهادة ومسؤولية، وليست سلعة تُشترى بالمال أو الوعود أو استغلال الفقر والحاجة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
فمن استغل حاجة الفقير ليشتري صوته، ومن استعمل المال لإفساد إرادة الناخبين، ومن جعل السياسة طريقاً للثراء والنفوذ، فليعلم أن القانون قد يحاسبه، ولكن قبل القانون هناك حساب الله.
وقال رسول الله ﷺ:
«من غشنا فليس منا».
والغش ليس في البيع والشراء فقط؛ بل من أخطر الغش أن يُخدع المواطن بالشعارات، ثم يُنسى بعد انتهاء الانتخابات.
أيها المسؤولون والسياسيون:
اتقوا الله في هذا الشعب.
اتقوا الله في الفقير الذي لا يجد قوت يومه.
اتقوا الله في الشاب الذي يبحث عن عمل وكرامة.
اتقوا الله في الأسرة التي أنهكتها تكاليف المعيشة.
اتقوا الله في الطبقة المتوسطة التي أصبحت مهددة في استقرارها وقدرتها على العيش الكريم.
اتقوا الله في المال العام.
لا تجعلوا المواطن مجرد رقم في صندوق الاقتراع.
لا تتذكروه يوم الانتخابات ثم تنسوه أربع سنوات.
إن الحكم مسؤولية، والسياسة أمانة، والوزارة تكليف وليست تشريفاً.
وقد قال النبي ﷺ:
«ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة».
فليتأمل كل من يتصدر الشأن العام هذا الحديث.
منبر الجمعة يجب أن يكون حياً
أيها المسلمون،
إن منبر الجمعة ينبغي أن يكون منبراً للإصلاح، والتذكير، والنصيحة، ومحاربة الظلم والفساد الأخلاقي والاجتماعي.
لا نريد من الإمام أن يكون حزبياً، ولا أن يدعم حزباً ضد حزب، ولا أن يتحول المسجد إلى حملة انتخابية.
ولكننا نريده أن يقول للناس:
اتقوا الله.
ونريده أن يقول للسياسي:
اتق الله في الأمانة.
ونريده أن يقول لمن يملك المال والنفوذ:
لا تستغل حاجة الفقراء.
ونريده أن يقول لمن يسعى إلى المسؤولية:
إذا لم تكن قادراً على خدمة الناس، فلا تطلب أمانتهم.
قال تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾.
نعم، كلنا مسؤولون.
المواطن مسؤول عن صوته.
والمرشح مسؤول عن وعوده.
والمسؤول مسؤول عن قراراته.
والغني مسؤول عن ماله.
والعالم مسؤول عن علمه.
والخطيب مسؤول عن كلمته.
الانتخابات امتحان للأخلاق قبل أن تكون سباقاً للمقاعد
أيها المسلمون،
لا تجعلوا الانتخابات مناسبة للسب والشتم والكذب والتشهير.
ولا تجعلوا الفقر باباً للابتزاز.
ولا تجعلوا المال وسيلة لشراء الإرادة.
ولا تجعلوا الانتماء الحزبي أقوى من الانتماء إلى الحق والعدل والوطن.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فليكن معيار المواطن في اختياره:
النزاهة، والكفاءة، والصدق، والأمانة، وخدمة الوطن والمواطنين.
وليس المال، ولا القرابة، ولا الوعود الكاذبة، ولا الشعارات.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
عباد الله،
إن إصلاح الوطن لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، وإنما يبدأ من إصلاح الضمير.
وإذا أردنا انتخابات نزيهة، فعلينا أن نرفض شراء الأصوات.
وإذا أردنا حكومة عادلة، فعلينا أن نطالب بالمسؤولية والمحاسبة.
وإذا أردنا مجتمعاً قوياً، فعلينا أن نحارب الفساد والرشوة والكذب واستغلال النفوذ.
قال رسول الله ﷺ:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
أيها الأئمة والخطباء،
إن الناس يحتاجون إلى كلمة صادقة تعيد إليهم الأمل، وتدعوهم إلى الصبر والعمل، ولكنها في الوقت نفسه تذكر أصحاب القرار بأن وراء كل قرار إنساناً، وأسرة، وطفلاً، وشاباً، ومستقبلاً لوطن بأكمله.
فلا تجعلوا المنبر غائباً عن الحياة.
منبر الجمعة ليس مكاناً للتحريض الحزبي، ولكنه أيضاً ليس مكاناً للصمت عن قضايا المجتمع.
قولوا للناس الحق بالتي هي أحسن.
ذكّروا المسؤولين بالله.
ذكّروا الأغنياء بحق الفقراء.
ذكّروا السياسيين بأن المناصب زائلة.
وذكّروا الجميع بأن المغرب ليس ملكاً لحزب ولا لجماعة ولا لشخص.
الوطن أمانة في أعناق الجميع.
اللهم أصلح أحوال المسلمين.
اللهم ارزق هذا الوطن الأمن والاستقرار والعدل والرخاء.
اللهم وفّق من تولى مسؤولية هذا الشعب لخدمته بالحق والعدل.
اللهم أبعد عن وطننا الفساد والظلم والرشوة واستغلال النفوذ.
اللهم اجعل انتخاباتنا وسيلة لاختيار الأكفأ والأصدق والأمين.
اللهم ارزق الفقراء والمحتاجين عملاً كريماً ورزقاً واسعاً.
اللهم احفظ شباب المغرب من اليأس والضياع، وافتح لهم أبواب المستقبل.
اللهم اجعل منابرنا منابر هداية وإصلاح، لا منابر صمت عن الحق.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وأقم الصلاة.
هذه الصيغة تجعل الهجوم موجهاً إلى الفساد واستغلال السلطة وشراء الأصوات والصمت عن معاناة الناس، وليس إلى أشخاص بأعيانهم دون دليل؛ وهذا يجعل الخطبة أقوى وأصعب في الطعن فيها شرعياً أو أخلاقياً.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عزيز الدروش
محلل وفاعل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى