الواجهة

رسالة الإمام الشريف محمد بن جعفر الكتاني للشريف فيصل بن الحسين ينصحه بعدم التعاون مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية:

يقول العلامة محمد الزمزمي بن محمد بن جعفر الكتاني، رحمه الله تعالى في تاريخه:

“ولما اشتدت وطأة الإنجليز بمساعدة الأمير فيصل، طلب جمال باشا من سيدنا الوالد أن يذهب صحبة عالم الشام الشيخ بدر الدين للاتصال بالأمير فيصل والمذاكرة معه ونصحه، عساه يرجع لطاعة الدولة ويقلع عن قتاله المسلمين تحت راية الكافرين. فاختار سيدنا الوالد الكتابة للأمير بدلا من الذهاب بنفسه، فكتب له هذه الرسالة البديعة، وهذا نصها:
“أخانا في الله، ومحبنا من أجل الله، ذا الملاحة والسعادة والسماحة والسيادة، الأمير الشريف فيصل بيك، رعاكم الله وسلام عليكم ورحمة الله ما دعا داع إلى الله، وبدأ قوله وختم بلا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله، عليه صلاة الله”.
“أما بعد؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا، وقال إنني من المسلمين!}. فالدعاء إلى الله والى الدين الحقيقي الحنيفي الذي بعثت به الرسل عليهم الصلاة والسلام هو السبب الذي من أجله ابتعث الله النبيين والمرسلين وخلفائهم من جميع الداعين”.
“وأنتم تعلمون أن هذا الدين حق يدعونا إلى الالتئام وأن نكون يدًا واحدة على أعداء الله اللئام. قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}. وقال: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}. وفي الحديث: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”، وشبك عليه السلام بين أصابع. وفيه: “المؤمنون كجسد واحد، إن اشتكى بعضه اشتكى كله”. وفيه: “المؤمن لأهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس”. وفيه: “من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم””.
“وتعلمون كذب أعداء الله تعالى وأعداء رسوله علينا، وخداعهم ومكرهم بيننا. وقد أنبأنا الله بما انطووا عليه، وبما في صدورهم من الشر وما يجر إليه، قال تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}. وقال: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء}. وقال: {إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين}. وقال: {إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}. وقال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (والكفر أعظم الظلم) ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}”.
“فأخبرت هذه الآية أنها الركون الذي هو أدنى ميل إلى الظالمين، وخصوصًا الكافرين منهم، موجب للنار ولانسلاخ الراكن من ولاية من ركن ولجأ إليه من غير الله تعالى، وعدم استفادته من ولايته شيئًا، ولعدم نصرة الله إياه، فينعكس عليه الأمر، والعياذ بالله تعالى. وقد شاهدنا في المغرب، وسمعناه في غير ما دولة وإقليم، ما انحاز إليهم أحد إلا وكانت عاقبة أمره خسرًا وباء بخزي الدنيا والأخرى”.
“وتعلمون – أيضًا – ما في موالاة الكفار، والاستعانة بهم على المسلمين. وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء}: إن معناه لا تنصروهم ولا تستنصروا بهم. وفي الحديث: “لا تستضيئوا بنار المشركين”. قيل معناه: لا تستشيروهم في أموركم، ولا تستنصروا بهم على أعدائكم”.
“وفي الاستنصار بهم على أمثالهم من الكفار أقاويل للعلماء وتفاصيل. وأما الاستنصار بهم على المسلمين؛ فلم يقل به أحد، وعلى منعه إجماع المسلمين”.
“وتعلمون – أيضًا – أن أهل البيت الشريف أولى بالاتباع، وأبعد عن الزيغ والخروج والابتداع، لتطهير الله إياهم بقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا}”.
“وعليه؛ البدار البدار ساداتنا وأسرَتنا، بجمع الكلمة والائتلاف، والحذر الحذر من التشتت والتفرق والاختلاف. وكونوا يدًا واحدة ورفقة متحدة كيما يقوم بكم ساعد الدين، وينتظم الكل في سلك المجتهدين المجاهدين. فقد قال جدكم المصطفى المختار: “يد الله مع الجماعة، ومن شَذَّ شذ النار”.
“ولكم حينئذ ما تحبون، ومن إخوانكم ما تريدون، جمع الله بكم الشمل، وأحيى بانضمامكم إلى هذه الدولة العلية الحَرْثَ والنسل، وفَّق الله الجميع لسلوك سبيل النبي الشفيع، عليه من ربنا الصلاة والسلام، ما انهل بوابله الغمام، وما قصدُنا بهذا إلا الإصلاح، واتحاد الكلمة الذي هو أصل كل نجاح وفلاح، عسى أن تقوم لهذا الدين المحمدي قائمة في البلاد، ويسلَم من تلاعب الأعادي في كل ناد، حفظ الله المسلمين الموحدين، وكبَت بمنه أعداء الدين، ووفق الأمراء والولاة، لما يرضي الله ورسوله عليه السلام في الحاضر والآت. آمين. والحمد لله رب العالمين. قاله وكتبه، مُسَلِّمًا عليكم: عبيد ربه، وأسير كسبه: محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، المغربي الحسني الإدريسي. ثالث صفر الخير عام 1336هـ، وهذا مهرُه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى