الواجهةقرأت لكم

رقصة الدبّ والنسر فوق رقعة الصحراء.

قرأتُ لي ولكم: من اعداد محمد انين

لم تكن جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر مجرد مواجهة دبلوماسية حول تمديد ولاية بعثة المينورسو. ما جرى كشف عن صراع أعمق حول من يملك حق رسم إطار التسوية السياسية، ومن يحدد قواعد التعاطي الأممي مع قضية الصحراء، ومن يستطيع تحويل نفوذه داخل مجلس الأمن إلى واقع سياسي جديد.

في ظاهر الأمر، بدا المشروع الأمريكي محاولة للخروج من جمود استمر لعقود، عبر جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً لمواصلة المناقشات. لكن ما وراء هذه الصياغة أن واشنطن لم تكن تقترح فقط تجديد ولاية بعثة أممية؛ كانت تسعى إلى إعادة ترتيب الإطار الذي تتحرك داخله المفاوضات، وإلى نقل مركز الثقل من المسار الذي ظل قائماً لعقود إلى مقاربة تجعل مبادرة الحكم الذاتي نقطة الانطلاق الأساسية.

ولم يكن التغيير المقترح في اسم المينورسو، بحذف كلمة «الاستفتاء»، مجرد تعديل لغوي. فالتسمية هنا تحمل خلفية سياسية وتاريخية، وتغييرها يعكس توجهاً نحو إعادة تعريف وظيفة البعثة والمرجعية التي تستند إليها. لذلك، لم يكن اعتراض موسكو متعلقاً بالتسمية وحدها، بل بما رأته محاولة لتثبيت تصور أمريكي للتسوية قبل التوصل إلى توافق بين الأطراف.

فالمندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا شدد على أن الصيغ النهائية للتسوية يجب أن تكون مقبولة من المغرب وجبهة البوليساريو، محذراً من فرض حلول أحادية دون التشاور مع الطرف الآخر. غير أن قراءة هذا الموقف تقتضي الانتباه إلى ما وراء اللغة الدبلوماسية: موسكو لا تريد أن تتحول واشنطن إلى الطرف الذي يحدد وحده شكل التسوية، ولا أن يتحول موقع الولايات المتحدة، بصفتها صاحبة القلم في الملف داخل المجلس، إلى أداة لفرض مقاربة لا تشاركها فيها بقية القوى الكبرى.

وهنا لا ينبغي الخلط بين اعتراض روسيا على المشروع الأمريكي وبين تبنيها بالضرورة موقفاً مغربياً أو دفاعها عن خيارات البوليساريو. فموسكو تتحرك وفق حساباتها ومصالحها، وتتمسك بموقعها داخل مجلس الأمن وبحقها في التأثير في الملفات الدولية. وقد يكون الدفاع عن مبدأ التشاور والتوافق، في هذه الحالة، دفاعاً عن موقعها في صناعة القرار بقدر ما هو موقف من مضمون المشروع نفسه.

أما واشنطن، فقد دافعت عن مقاربتها باعتبارها محاولة لإنهاء حالة الجمود، مستندة إلى تعثر تنظيم الاستفتاء والصعوبات التي واجهت تحديد الهيئة الناخبة. لكن مسار إعداد المشروع يكشف بدوره أن الصيغة التي وصلت إلى التصويت لم تكن هي الصيغة الأولى.

فالمسودة الأمريكية الأولية كانت تقترح إنهاء ولاية المينورسو بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداءً من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة، مع تقليص تدريجي لأفرادها العسكريين وإغلاق بعض مواقعها. غير أن الصيغة المعدلة تخلت عن إنهاء مهمة حفظ السلام والتحول المباشر إلى بعثة سياسية.

أما المشروع في صيغته الأخيرة، فكان يقترح تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداءً من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية» (MINUSO)، بعد حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسميتها.

كما وصف الحكم الذاتي الفعلي تحت السيادة المغربية بأنه «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»، وجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي «الأساس الوحيد» لمواصلة المناقشات، مع الإبقاء على الإحالة إلى مبدأ تقرير المصير وضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين.

وطلب المشروع من الأمين العام تقديم مقترحات، في أجل أقصاه 30 يناير 2027، بشأن هيكلة البعثة وموظفيها ومواردها، بما يشمل تقليص عدد الأفراد النظاميين وإغلاق بعض المواقع أو دمجها، كما ترك للمجلس صلاحية اتخاذ قرارات لاحقة بشأن مستقبل البعثة، بما في ذلك إمكانية تغيير ولايتها. وتضمن أيضاً دعوة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف في غضون ستة أشهر.

هذه التفاصيل ليست تقنية فقط. فالمشروع الأمريكي، في صيغته الأخيرة، كان يجمع بين تثبيت الحكم الذاتي باعتباره أساساً وحيداً للمناقشات، وإعادة النظر في بنية البعثة ومواردها ومستقبلها. أي أن واشنطن كانت تسعى إلى تغيير الإطار السياسي، وفي الوقت نفسه فتح ملف وظيفة الحضور الأممي على الأرض. لكن تعديل المسودة الأولى يبين أيضاً أن الصياغة النهائية تأثرت بحسابات المجلس واعتراضات أعضائه، ولم تكن مجرد إرادة أمريكية نُفذت كما أُريد لها.

على مستوى التصويت، حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً، مقابل صوت واحد معارض هو الصوت الروسي، وثلاثة امتناعات. ورغم حصوله على أغلبية الأصوات، حال الفيتو الروسي دون اعتماده.

بعد ذلك، قدمت روسيا مشروعاً مضاداً، صوّتت الصين لصالحه، وكان يقترح تمديد ولاية المينورسو لسنة إضافية مع الإبقاء على اسمها وصيغتها الحالية. لكنه لم يحصل على الحد الأدنى المطلوب لاعتماد القرار، وهو تسعة أصوات. فقد نال ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت واحد معارض و11 امتناعاً. ورغم تصويت الولايات المتحدة ضده، فإن عدم بلوغه عتبة الأصوات التسعة كان كافياً لعدم اعتماده.

وهنا تظهر دلالة الموقف الصيني أيضاً. فتصويتها لصالح المشروع الروسي يعكس تقاطعاً معها في رفض الصيغة الأمريكية، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن تحالف متكامل حول مستقبل الملف. فالقوى الكبرى قد تلتقي في تعطيل مشروع، من دون أن تتفق بالضرورة على البديل الذي ينبغي أن يحل محله.

أما بريطانيا، فقد عبّرت عن خيبة أملها من الفيتو الروسي، وجددت وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للاستمرار والعملية من أجل تسوية دائمة. وهو ما يبرز أن المشروع الأمريكي لم يكن معزولاً داخل المجلس، وأن الخلاف لم يكن بين مؤيدين للمغرب ومعارضين له بقدر ما كان أيضاً حول طريقة إدارة الملف ومن يحدد مساره.

وفي خضم هذه التجاذبات، جاء الموقف المغربي من خلال بلاغ الديوان الملكي، الذي رحّب بانتهاء ولاية المينورسو دون تجديدها، واعتبره تطوراً مهماً وخطوة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.

وربط البلاغ هذا التطور بتخليد عيد الوحدة، ومنحه دلالة تتجاوز نتيجة التصويت، باعتباره انتقالاً في التعاطي مع القضية. كما وصف عدم التمديد بأنه طيّ لصفحة امتدت 35 سنة، وأكد أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة.

ولم يقف البلاغ عند مستقبل البعثة، بل أعلن التوجه نحو وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، وإنهاء الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة به، مع اتخاذ خطوات مماثلة داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة.

وفي المقابل، أكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار، وبسلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه. كما استحضر البلاغ الدينامية الدولية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مشيراً إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يؤيدون مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد لحل النزاع.

واللافت أن ما جرى لم يكن مفاجئاً للرباط. فقد أوردت صحيفة Le Desk أن موسكو وجهت رسالة إلى المغرب قبل التصويت، أبلغتها فيها نيتها استخدام حق النقض (الفيتو) ضد المشروع الأمريكي وتقديم مشروع بديل. لكن المعطى الأكثر دلالة في ما كشفته الصحيفة هو أن بلاغ الديوان الملكي كان قد أُعدّ قبل انعقاد الجلسة، وأن واشنطن وباريس كانتا على علم بمضمونه.

إذا صحت هذه المعطيات، فنحن لا نتحدث عن بلاغ صيغ على عجل للتفاعل مع نتيجة التصويت، بل عن موقف مغربي كان قد تبلور قبل معرفة مآل المواجهة داخل المجلس. وهذا يطرح قراءة مختلفة لما حدث: فالمغرب، وفق ما أوردته الصحيفة، كان يستعد لاحتمال تعثر المشروع الأمريكي بفعل الفيتو الروسي، ويهيئ سياسياً للمرحلة التي ستلي عدم تمديد ولاية البعثة.

هنا تحديداً ينبغي التمييز بين معرفة المغرب المسبقة بالتحرك الروسي وبين وجود اتفاق سياسي شامل بين الرباط وموسكو. فإبلاغ دولة بموقفها لا يعني تبني دوافعها، كما أن تقاطع المصالح في لحظة معينة لا يحوّل الدول إلى حلفاء في جميع الملفات.

لكن ينبغي ألا نحمّل التصويت أكثر مما يحتمل. فعدم اعتماد مشروع التمديد لا يتضمن في حد ذاته قراراً مستقلاً بسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن، ولا قراراً بإنهاء وجود البعثة فوراً. كما أن إعلان المغرب توجهه نحو إنهاء إحالة الملف على المجلس يظل موقفاً سياسياً ودبلوماسياً يحتاج إلى ترجمة عبر المسارات الأممية المعنية. وتبقى ترتيبات المرحلة المقبلة مرتبطة بمآل مهام مراقبة وقف إطلاق النار، ومستقبل الحضور
الأممي الميداني، والآليات التي ستواكب انتهاء ولاية البعثة

وفي نهاية المطاف، لم تكن موسكو تتحرك دفاعاً عن المغرب بقدر ما كانت تدافع عن موقعها في معادلة القرار الدولي، ولم تكن واشنطن تتحرك خارج حساباتها الاستراتيجية وهي تدفع نحو إعادة تشكيل إطار التسوية. وبين هذا وذاك، وجد المغرب نفسه أمام لحظة يمكن أن تخدم توجهه السياسي.

وهذه هي طبيعة السياسة الدولية: قد تتقاطع مصالح الدول في لحظة، من دون أن تتطابق رهاناتها أو تتوحد غاياتها. لذلك، لا يكفي أن نعرف من صوّت مع من، بل علينا أن نفهم لماذا تحرك كل طرف، وما الذي أراد انتزاعه، وما الذي يمكن أن يترتب على ذلك بالنسبة للمغرب….والأيام كفيلة بكشف حقيقة ماجرى وماسيأتي بعده.
حنان فطراس

F.A.T.A.R.A.S

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى