24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةعالم السياسة

زلزال سياسي في 48 ساعة: قصة إعفاء الوزيرة ماديحة خيير على وقع ملف “شيكات الذهب”، والشواهد الطبية المثيرة للجدل، وثغرات التدقيق القبلي

​لم تكن تراجيديا التعيينات الحكومية في المغرب لتعرف سابقة بحجم ما حدث مع ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل عن حزب الاستقلال. فبعد 48 ساعة فقط من أطوار أداء القسم الرسمي ضمن تشكيلة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وجد الديوان الملكي نفسه مضطراً لإصدار بلاغ رسمي يعلن موافقة الملك محمد السادس على طلب الإعفاء، لتطوى صفحة وزيرة لم تكد ترسي قدميها في كرسي الوزارة حتى عصفت بها أشباح الماضي.

​أسرار الملف القديم (سنة 2004): تفاصيل الرواية التي هزت الرأي العام

​أرجع التتبع الدقيق للرأي العام والوثائق التي انتشرت كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، أصول الأزمة إلى ملف قضائي غابر يعود إلى سنة 2004 (أي ما يقارب عقدين من الزمن).

​وحسب الروايات والملفات المتداولة التي أعادت تفجير النقاش، فإن جذور القضية ترتبط بشبهات تتعلق بمعاملات مالية مشبوهة وشيكات مرتبطة بـ “تجارة الذهب” . وتشير التفاصيل المتداولة إلى سيناريو معقد دارت فصوله حول استغلال هوية أو بطاقة تعريف وطنية (روايات تتحدث عن علاقة بامرأة كانت تكتري بيتاً لدى أحد أقاربها أو مرتبطة بمحيطها آنذاك)، وفتح حساب بنكي بتساهل مع بعض الجهات، لتنطلق عملية النصب عن طريق إصدار شيكات ترتبت عنها شكايات ومتابعات قضائية ثقيلة.

​الشهادة الطبية المثيرة للجدل: “درع” الهروب من المتابعة؟

​ما ضاعف من حدة الغضب وجعل القضية تأخذ طابعاً أخلاقياً حارقاً، هو إرفاق تلك الملفات بوثيقة خطيرة تم تداولها على نطاق واسع: “شهادة طبية–قانونية“ صادرة عن طبيب مختص في الأمراض العقلية والنفسية تعود لنفس الفترة.

ف​الوثيقة جرى توظيفها إعلامياً وشعبياً باعتبارها الوسيلة التي تم لجوء المعنية إليها في ذلك الوقت للتخفيف من التبعات القانونية أو تفادي العقوبات الحبسية بدعوى “الاضطراب النفسي أو عدم الاكتمال العضوي/العقلي” أثناء أطوار النزاع القضائي. وهنا تجلت المفارقة الصادمة في نظر الشارع المغربي :

​كيف لمن استعملت “التقارير النفسية والهشاشة المصطنعة” للهروب من طائلة القانون في ملفات مالية خاصة، أن تُرفع اليوم لتجلس على كرسي المسؤولية الحكومية وتُؤتمن على قطاع حيوى استراتيجي يهم مستقبل شباب وميزانيات ضخمة للبلاد؟

لكن ​أين كانت أجهزة التدقيق القبلي؟ أزمة مساطر الانتقاء التي “رونت الدنيا”

​أثار هذا السقوط المدوي في ظرف وجيز تساؤلات ماراثونية حارقة حول كواليس اختيار وزراء المملكة والمسؤولين الكبار … فالشارع وكل متتبعي الشأن السياسي رفعوا شعار التنديد بمساطر الانتقاء (Enquêtes de pré-sélection)، متسابقين في طرح أسئلة مشروعة من قبيل:

  1. ​أين كانت تقارير الأجهزة المختصة؟ ألا تخضع الشخصيات المرشحة لحقائب وزارية سيادية لغربلة أمنية وإدارية دقيقة وشاملة تكشف السوابق والملفات العالقة قبل أن تحظى بشرف المثول بين يدي الملك لأداء القسم؟
  2. ​دور الأحزاب السياسية: كيف يُقدم حزب بحجم الاستقلال على تزكية أسماء تحمل في سجلاتها الشخصية والمالية ندوباً وقضايا مثيرة للجدل قد تعرض المؤسسات لهزات مجانية؟
  3. ​تكلفة الاستهتار بالرأي العام: إن تقديم رئيسة الحكومة لطلب الإعفاء الفوري جاء لامتصاص غضب عارم هدد المصداقية المؤسساتية، لكنه أظهر بالملموس هشاشة المعايير المعتمدة في “تصفية” بورصة الأسماء المرشحة للتدبير الشأن العام.

​إن إعفاء ماديحة خيير وإن أنهى أزمة 48 ساعة على مستوى الواجهة الحكومية، إلا أنه فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش مجريات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضرورة تطهير لوائح المسؤولين من كل من تحوم حول ذممهم شبهات الماضي. فالمغرب اليوم لا يملك ترف “المفاجآت الصادمة” على مستوى تدبير الشأن العام، والخطأ في الاختيار بات ثمنه سياسياً باهظاً للغاية.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى